بقلم : أحمد رشدي
نحب أن نصدق أننا أحرار في قراراتنا؛ نختار ما نشتري، وما نشاهد، وما نقرأ، وحتى ما نرغب فيه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء مقلق: هل نقرر فعلًا، أم أن هناك من يقرر معنا أو قبلنا؟
في عصر الخوارزميات، لم يعد الاختيار فعلًا بسيطًا كما كان، بل أصبح نتيجة معادلة معقدة تجمع البيانات والسلوك والتوقعات.
المشهد مألوف للجميع تتحدث عن منتج مع صديق، فتفتح هاتفك لتجده أمامك إعلانًا.
تفكر في رحلة، فتنهال عليك مقاطع السفر. تبحث مرة واحدة، فيلاحقك الشيء نفسه أيامًا. المفارقة الساخرة أن الهاتف يبدو وكأنه “يفهمك” أكثر مما يفهمك بعض البشر، لكن الحقيقة أقل سحرًا وأكثر دقة علمية.

ما يحدث ليس قراءة أفكار بالمعنى الحرفي، بل تحليل سلوك. المنصات الرقمية تجمع كماً هائلاً من البيانات ما تبحث عنه، ما تتوقف عنده، ما تضغط عليه، كم ثانية تشاهد، ما تتجاهل، وحتى توقيت نشاطك. هذه التفاصيل الصغيرة تتحول إلى نموذج تنبؤي قادر على توقع ما قد تهتم به قبل أن تدركه أنت بوضوح.
وهنا يبدأ وهم الاختيار.
علم النفس يفسر ذلك بما يسمى “التهيئة الإدراكية”؛ عندما ترى شيئًا بشكل متكرر، يبدأ عقلك في اعتباره خيارًا طبيعيًا، بل خيارك أنت. ومع التكرار، يتحول التعرض إلى رغبة، والرغبة إلى قرار يبدو شخصيًا تمامًا. الإعلان لم يجبرك، لكنه جعل الطريق أمام خيار واحد أكثر إنارة من غيره.
الإعلانات الحديثة لم تعد مجرد عرض منتج،
بل أصبحت هندسة انتباه. الخوارزميات لا تبيع الأشياء فقط، بل تبيع الأولويات، وتعيد ترتيب ما تراه مهمًا. وهنا تكمن السخرية نحن نبحث عن محتوى يناسبنا، بينما المحتوى نفسه يعيد تشكيل ما يناسبنا.
لكن لماذا نشعر أحيانًا أن المنصات “سمعتنا” حتى دون أن نتحدث؟ الإجابة غالبًا أبسط مما نظن. نحن نعيش داخل أنماط متشابهة مع ملايين غيرنا نفس الاهتمامات، نفس المواسم، نفس الأحداث.
الخوارزميات تتوقع، لا تتجسس بالضرورة على الأفكار. وإذا اجتمع البحث السابق مع سلوك مشابه لمستخدمين يشبهونك، يصبح ظهور الشيء منطقيًا إحصائيًا، حتى لو بدا شخصيًا جدًا.
الدراسات تؤكد أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الاعتقاد بأنه مستقل في قراراته أكثر مما هو في الواقع، وهي ظاهرة تُعرف بوهم الاستقلال. المنصات تستفيد من ذلك؛ فهي لا تفرض القرار، بل تصنع بيئة تجعل قرارًا معينًا يبدو الأكثر راحة والأكثر منطقية.

من زاوية أخلاقية، يفتح هذا نقاشًا مهمًا: أين ينتهي الإقناع ويبدأ التوجيه؟
التسويق في جوهره محاولة للتأثير، لكنه اليوم يمتلك أدوات دقيقة غير مسبوقة. ومع هذه الدقة، تصبح المسؤولية أكبر: مسؤولية الشركات في الشفافية، ومسؤولية الفرد في الوعي.
المفارقة الساخرة أن أكبر معركة حرية اليوم ليست في أن تختار من بين خيارات كثيرة، بل في أن تدرك كيف صُنعت هذه الخيارات أصلًا. الوعي هنا لا يعني رفض التكنولوجيا أو الإعلانات، بل فهم اللعبة. أن تسأل هل أردت هذا فعلًا، أم رأيته كثيرًا حتى ظننت أنني أريده؟
الاختيار لم يختفِ، لكنه لم يعد بريئًا كما كان. نحن ما زلنا نقرر، لكن داخل بيئة مصممة للتأثير علينا. والفرق بين إنسان موجَّه وإنسان واعٍ ليس في عدد الخيارات، بل في قدرته على رؤية ما وراءها.
حين نفهم ذلك، نستعيد جزءًا مهمًا من حريتنا حرية أن نبطئ، أن نشك، وأن نختار بوعي لا بمجرد تكرار.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


