واسيني الأعرج: أسعى لخلق قاسم إنساني مشترك مع القارئ ..
لطيفة محمد حسيب القاضي.
.في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة أكثر مما تتّضح الإجابات، يعود الروائي الجزائري واسيني الأعرج ليضعنا أمام مرآةٍ قاسية في روايته الجديدة “مستر ولا شي: مأدبة جائزة نوبل الأخيرة” (دار “دوّن” للنشر ــ 2026)، وهي رواية تتقدّم بخطى واثقة نحو مناطق معتمة في الهوية الإنسانية، وتفتح جروحًا لم تلتئم بعد، جروح الفرد وجروح العالم. هنا، لا يكتفي الأعرج بالسرد، بل يختبر حدود الهوية، هشاشة الوجود، وعبثية الركض خلف معنى يتفلّت في كل مرة. هنا، حوار معه:(*) في رواية “مستر ولا شي” سرد فلسفي وسخرية هادئة، تحكي حكاية ارتقاء وسقوط، وتفضح فيها آلية ثقافية كاملة تُدار باسم التباهي والسمعة الطيبة. ما الذي دفعك لكتابة هذه الرواية، وما القضية الحقيقية وراء شخصية نوفل آل فريد؟نحن نعيش، يا للأسف، في عالم يزدحم بالكذب والرياء والمراوغات وغياب الصدق. وهذه ليست سمة تخص العالم العربي وحده، بل هي ظاهرة عامة. وحين تكون داخل هذا الوسط، فإنك سترى نماذج مختلفة من البشر؛ وتجد نفسك تعيش معهم، وبينهم، وتسمع عنهم وتحتكّ بهم باستمرار. ومن هنا تنبع الرغبة في الحديث عن هذه النماذج.في الكتابة الروائية، تحديدًا، لم يعد الهدف مجرد الإمتاع، رغم أن متعة القارئ عنصر أساسي ومهم، وأنا مؤمن بذلك تمامًا. لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن يخرج القارئ بشيء ما، بفائدة إنسانية، لا على شكل درس مباشر، فالرواية ليست منبرًا للمواعظ، وإنما مساحة لخلق قاسم إنساني مشترك بين الكاتب والقارئ.وشخصية مثل “مستر ولا شي”، أو “نوفل آل فريد” تمثل نموذجًا من هذه النماذج البشرية البسيطة. إنسان عاش حياته ببساطة، يفرح بمشاركتها في المسابقات الوطنية، وينتمي إلى بيئة ريفية متواضعة، ويسعد حين يفوز بجوائز، حتى لو كانت جوائز صغيرة غير ذات قيمة. فرحه كان صادقًا، لأنه لم يكن جزءًا من النظام العام، بل كان يعيش داخل نظامها الذاتي البسيط.لكن منذ اللحظة التي يدخل فيها إلى النظام العام، إلى تلك الآلة الضخمة، إلى هذه “الطاحونة” القاسية، يتغير كل شيء.هنا، تبدأ التحولات، ويتبدل الصفاء، وتصبح البراءة مهددة داخل منظومة لا ترحم، لأن الطاحونة طحنته وحولته إلى لا شيء. وقبله صديقه الفنان الذي صادفته الشرطة وكان محطمًا، رجل عاش حياة مليئة بالنجاحات، أفرح الناس، وغنى كثيرًا في الأوبرا، ومع ذلك كل هذا لم ينفعه، لأن كلمة واحدة، أو تحولًا بسيطًا قد يُغيّر كل شيء. المجتمع أيضًا لا يرحم مثل هذه التحولات، خصوصًا في بلدان لا تسمح بالتحول، أو التقدم الإنساني. لهذا السبب كتبت هذه الرواية، لألفت الانتباه إلى الوضع الاجتماعي والحضاري والثقافي الذي يعيشه الناس يوميًا. ربما لا يلتفت الناس إلى هذا عادة، لكن الرواية تعيدنا إلى هذه الطاحونة. نرى الرجل يُدخل ببساطة إلى ما يسمى “مؤسسة بيتنا”، عن طريق السيدة المديرة المسيرة، التي تحمل اسم سراب، الذي يحمل دلالة. مثلًا، لا تستطيع أن تمسك بأي شيء بيدها، ومع ذلك فهي تتحكم بكل شيء، تنظم الأمور، تقدّم المقترحات، وتستحوذ على كل شيء. من خلال النهب والسرقة.الرواية ليست مجرد متعة؛ هي سؤال أيضًا: إلى أين نحن متجهون؟ الشخصية المركزية، نوفل، تصل إلى حالة صادمة حين يكتشف الكذبة. وهنا تتحول الفرحة إلى كوميديا، نضحك من أنفسنا ونحن نشاهد الانهيار والتحلل أمام أعيننا.(*) يحمل عنوان الرواية مفارقة وجودية متناقضة وعميقة. ما الكامن وراء رمزية العنوان؟العنوان يُعدّ عتبة النص؛ هو المدخل واللحظة الأولى التي يصطدم بها القارئ قبل الولوج إلى العالم الروائي، تمامًا كما يصطدم بالغلاف. ومن خلاله يأخذ القارئ انطباعه الأول: فإما أن يكون العنوان مشجّعًا على الدخول إلى النص، أو يكون منفّرًا.أنا أميل في العناوين إلى أن تتضمن جانبًا رمزيًا، حتى لو لم يكن مباشرًا، بحيث يفتح باب التفكير والتأويل.عنوان “مستر ولا شي” يقوم على ثنائية دلالية واضحة: كلمة مستر تعني “السيد”، وتحمل في طياتها معنى التقدير والاحترام والمكانة، بينما لا شيء تعني الصفر، العدم، أو التفاهة. الرواية تشتغل أساسًا على هذه الثنائية: ثنائية العظمة المتخيّلة في مقابل الفراغ الحقيقي.في المرحلة الأولى من حياته، كان البطل يعيش في فضاء البلديات والقرى، يشارك الناس أفراحهم، ويُحتفى به بوصفه رمزًا من رموز المكان. كانت الأمور بسيطة، وعلى قدر الناس، لكن الإنسان لا يكتفي غالبًا بدائرته الصغيرة؛ فهو يسعى إلى الخروج منها. وهنا يبدأ الدخول في عمق “الطاحونة” التي لا يكتشفها، لأن التحوّل يملك قدرًا من الذكاء؛ إنه يطحنك وأنت تضحك وتظن نفسك تتقدم.تدريجيًا، يتحول كل شيء إلى “لا شيء”. في نهاية المطاف، ماذا يساوي كل ذلك؟ يتم إيهامه بأنه في طريقه للفوز بجائزة نوبل، ويُستثمر ماله الذي ورثه من الأرض في هذا الوهم. يُغذّونه بوعود زائفة: ترشيحات، ترجمات، موافقات من مراكز بحث كبرى، وعضويات لا وجود لها. هنا يتكشف الإفلاس الأخلاقي الكامل للمؤسسة التي تبني مشروعها على الكذب.هو يبدأ يكتشف، لكن اكتشافه يظل ثانويًا، لأنه من الداخل يريد أن يصدق. لقد زُرعت في رأسه فكرة أنه “رجل نوبل”، ولم يعد يرى نفسه إنسانًا عاديًا. يدخل اللعبة بكامل إرادته، مدفوعًا بوهم العظمة.”أصدقاؤه يقنعونه أن اسمه “نوفل فريد” قريب نغميًا من “نوبل”، وكأنها علامة قدر! ثم يربطون ذلك ببلوغه الكتاب رقم مائة وواحد، كما في رمزية الأعداد في السرد التراثي”يصل الأمر إلى حد ترتيب لقاء له مع جهة أكاديمية مزعومة، حيث يُوضَع في موقف مهين، ويُناقَش حول روايته الأخيرة. هنا يظهر مستوى “رواية داخل رواية”، إذ إن العمل يتضمن نصًا داخليًا يُحاكَم بدوره، فيتداخل التخييلي بالميتاسردي.القصة المتداولة داخل هذا المستوى ــ مثل حكاية الكندي أو جريمة القتل ــ تظل في إطار التخيل الأدبي، ولا علاقة مباشرة لها بالواقع، لكنها تعكس آلية صناعة السرد والوهم والتضليل، وهي صدى رمزي لما يحدث للبطل نفسه: بناء سردية كبرى حول شخص عادي، ثم تحطيمها.بهذا يصبح العنوان “مستر ولا شي” خلاصة المسار كله: انتقال من صورة السيد المكرَّم إلى حقيقة الفراغ، ومن وهم العظمة إلى انكشاف العدم.هل يمكن اعتبار جائزة “نوبل” حيادية؟(*) وصفت الرواية بأنها كوميديا سوداء. إلى أي مدى استطعت أن توازن بين السخرية والتراجيديا الإنسانية؟من الناحية الفنية والبنائية، تشتغل الرواية على أفقين متوازيين: أفق الكوميديا، وأفق المأساة.الكوميديا حاضرة لأننا أمام وضع ساخر ومضحك: رجل يفرح بنجاحه الثقافي داخل قريته، ويشعر بأنه حقق إنجازًا كبيرًا. نحن نبتسم ونحن نقرأ، لكن الضحك هنا ليس بريئًا؛ إنه ضحك ممزوج بالقلق، لأننا نشعر منذ اللحظة التي يقبل فيها فكرة دخوله إلى دائرة “نوبل” أن هنالك خللًا ما.تتجلى المفارقة الكوميدية في التفاصيل: أصدقاؤه يقنعونه أن اسمه “نوفل فريد” قريب نغميًا من “نوبل”، وكأنها علامة قدر! ثم يربطون ذلك ببلوغه الكتاب رقم مائة وواحد، كما في رمزية الأعداد في السرد التراثي (ألف ليلة وليلة والليلة الزائدة ذات الدلالة). كل ذلك يُبنى بوصفه إشارات “كونية” تؤكد أنه مهيأ للانتقال إلى مستوى أعظم. هذا العالم يبدو خفيفًا ومريحًا ظاهريًا، لكننا في العمق نضحك أيضًا من سذاجة الرجل، ومن سهولة تلاعب الآخرين به، ومنحه أملًا زائفًا.هو من جهته يريد أن يصدق؛ لا يريد أن يبقى “كاتب القرية”، بل يحلم بالانتقال إلى “الكتابة الإنسانية” التي ترمز إليها جائزة نوبل. هنا يصبح الحلم نفسه جزءًا من الكوميديا، خاصة حين يذهب إلى البريد حاملًا كتبه ليرسلها، متخيّلًا أن الترشيح يتم بهذه البساطة، بينما آليات الترشيح الحقيقية معقّدة، وتتم عبر مؤسسات أكاديمية معتمدة، لا بترشيح ذاتي مباشر. هذه المفارقة تكشف بساطته، لكنها في الوقت نفسه تثير الشفقة.لاحقًا، حين يلتقي بالسيدة سراب، يبدأ بالتعرّف جزئيًا إلى “الآليات”، لكن الكوميديا لا تختفي؛ بل تتضخم اللعبة. يُجلب له ما يبدو أنه ترشيحات دولية وشهادات من أسماء كبيرة. شهادتاه البسيطتان من صديقين تُرفض باعتبارهما لا تساويان شيئًا في “العالم الكبير”، ثم تُستبدل بوثائق أكبر، لا نعرف مدى حقيقتها، لكن داخل السرد تبدو ممكنة بفضل نفوذ الشبكة التي تدير اللعبة.هنا، بالتوازي مع الكوميديا، تتشكل المأساة. تصديقه يتعمّق تدريجيًا حتى يصبح الوهم حقيقة داخلية. هو لا يُخدع فقط؛ بل يشارك في خداع نفسه، لأنه يريد هذه الصورة. بعد مائة وواحد كتاب، يرى أنه يستحق الجوائز الكبرى، وأن لا أحد أفضل منه. هكذا يملأ الفراغ بوهم العظمة. التحول المأساوي يبلغ ذروته حين يكتشف أن “الشخصيات الأجنبية” التي كان يتحاور معها ليست إلا أشخاصًا محليين متنكرين. لحظة الانكشاف لا تحرّره، بل تدفعه إلى الانفجار، فيُقصى ويُساق بطريقة مهينة. هنا تسقط صورة “مستر” نهائيًا، ويتكرّس “اللا شيء”.بهذا تتضح البنية المزدوجة للرواية: نضحك طوال الوقت، لكن الضحك يسير جنبًا إلى جنب مع انهيار إنسان من الداخل. ما يبدو لعبة ثقافية يتحول إلى آلة تدمير قائمة على الوهم، والتنسيق، والكذب. وحين يُعمَّم التأويل، لا تعود الحكاية قصة فرد، بل صورة لنظام يصنع الأوهام للناس، يُدخلهم فيها، ثم يتركهم ينهارون داخلها.(*) هل تظهر جائزة نوبل في الرواية بوصفها تكريمًا أدبيًا خالصًا، أم كجزء من نظام يصنع الأوهام ويعيد إنتاج السلطة الثقافية عالميًا؟يحاول كثيرون التعامل مع جائزة نوبل وكأنها جائزة موضوعية بالكامل، وكأنها تقف فوق السياسة والتاريخ والانحيازات. صحيح أنها جائزة كبيرة بلا شك، ومن يفوز بها لا يحصل فقط على مبلغ مالي يقارب المليون دولار، بل ينال قيمة معنوية ورمزية وتاريخية راسخة. هذا مفهوم. لكن السؤال الجوهري: هل هذه الجائزة موضوعية كليًا فعلًا؟الجواب: لا. الجائزة ليست موضوعية بالكامل. يكفي أن ننظر إلى ما حدث في السنوات الأخيرة. جائزة السلام مُنحت لشخصية كانت منافسة لمادورو في فنزويلا، ونحن نعرف ما الذي حدث سياسيًا حول هذا الملف. هذه السيدة معروفة أيضًا بمواقفها الداعمة للحركة الصهيونية، ووقوفها إلى جانب نتنياهو، وتبريرها لما يجري في غزة على أنه “دفاع عن النفس”. فأين السلام في هذا؟ أي سلام نتحدث عنه بينما يُقتل عشرات الآلاف في غزة، ولا يُحرِّك العالم ساكنًا، ثم تُمنح جائزة باسم “السلام”؟ هنا يبدو أن هنالك شيئًا مُمرَّرًا داخل الجائزة، وليس الأمر مجرد “نظرية مؤامرة”، بل الواقع الموضوعي نفسه يكشف ذلك.نوبل جائزة أوروبية بامتياز، حتى لو قُدّمت بصيغة عالمية. وهي تاريخيًا لم تكن بعيدة عن الصراعات السياسية، بل تأثرت منذ زمن الحرب الباردة بالتجاذبات بين روسيا وأميركا وأوروبا. كثير من الفائزين، خصوصًا من خارج الغرب، كانوا في موقع معارضة لأنظمتهم. حتى من الصين مثلًا، غالبًا ما مُنحت الجوائز لأصوات معارضة. هنا يبرز السؤال: كيف يمكن اعتبار الجائزة حيادية وهي تسير بهذا النمط؟ثم على مستوى الأدب تحديدًا، هنالك كتّاب كبار عالميون غيّروا شكل الرواية، وفتحوا لها آفاقًا جديدة، ومع ذلك لم يحصلوا على نوبل. أين الموضوعية إذًا؟المشكلة أن العرب يتعاملون مع “نوبل” أحيانًا بحلم مبالغ فيه، وكأنها السقف الأعلى الوحيد الممكن، بينما يملكون الإمكانات لخلق جائزة عالمية كبرى. المال العربي قادر على تأسيس جائزة أدبية عالمية بقيمة مليوني دولار مثلًا، تُفرض تدريجيًا على الساحة الدولية، وتُمنح لمن يستحق فعلًا، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية. جائزة عربية للآداب يمكن أن تجعل العالم العربي جزءًا فاعلًا في المشهد الثقافي العالمي، لا مجرد منتظر للاعتراف الخارجي.ولا يهم إن فاز بها كاتب عربي، أو غير عربي، المهم أن تكون الجائزة ذات معايير حقيقية. أما “نوبل” فهي في الواقع تذهب في معظم الأحيان إلى الأوروبيين، ونادرًا ما تُمنح لشخصيات من خارج هذا المركز. المسألة ليست متعلقة بنا نحن العرب فقط. انظري مثلًا إلى الصين وأدبها الضخم، هل هو مُقدَّر عالميًا بالقدر الكافي؟ وانظري إلى أمم أخرى: من يعرف مثلًا الكتّاب الأندلسيين المعاصرين؟ من يعرف الكتّاب الأستراليين؟ هنالك روائيون كبار، تجارب مهمة، لكنهم خارج الضوء.لكن في الوقت نفسه، لا يجب أن نبقى متوقفين عند هذه النقطة فقط. لهذا جعلتُ الموضوع من زاوية أخرى أيضًا: كيف يمكن أن تدخل العالم الثقافي أصلًا، بينما هو مُهيَّأ سلفًا لئلا يلتفت إليك؟عندما لا يظهر اسم الكاتب، يبدأ بعضهم بالفرح والشماتة: “كويس إنه ما فاز”، “لا يستحق”، “هذا شبيح”، “هذا مجرم”… إلى آخرهلنأخذ مثال الترشيحات العربية. أنا شخصيًا رشّحتُ أسماء عديدة، وأرى أن بعضها يستحق بامتياز، أدبيًا وفنيًا، مثل الكاتب أدونيس، لكن المشكلة ليست فقط في عدم الفوز، بل في ردّ الفعل العربي نفسه، وسوريا تحديدًا. عندما لا يظهر اسم الكاتب، يبدأ بعضهم بالفرح والشماتة: “كويس إنه ما فاز”، “لا يستحق”، “هذا شبيح”، “هذا مجرم”… إلى آخره.أين الموضوعية في هذا؟ نحن لا نناقش العمل الأدبي، بل نغرق في الشتائم والتخوين. أنا رشّحتُ هؤلاء من منطلق أدبي وكتابي بحت، ومع ذلك جاءتني ردود فعل مليئة بالإهانات التي لا يمكن حتى تداولها.لهذا أقول، وبكل أسف، إن مجتمعاتنا الثقافية العربية تعاني من خلل عميق؛ بدل أن نختلف باحترام حول الأدب، نحوّل كل شيء إلى تصفية حسابات وعداوات شخصية، وهذا مرض ثقافي حقيقي يعرقل أي نهوض.”تتضح البنية المزدوجة للرواية: نضحك طوال الوقت، لكن الضحك يسير جنبًا إلى جنب مع انهيار إنسان من الداخل”بهذا المعنى، مسألة “نوبل” في الرواية ليست هدفًا بذاته، بل أداة لكشف بنية الوهم: وهم الفرد الذي يرى في الجائزة خلاصًا شخصيًا، ووهم المجتمع الذي يعلّق قيمة الإبداع كله على اعتراف خارجي، ووهم النظام الثقافي العالمي الذي يقدّم نفسه كمعيار كوني خالص، بينما هو نتاج سياق تاريخي محدد.لذلك يصبح موضوع الجائزة داخل الرواية جزءًا من بنيتها الفكرية: مدخلًا لمناقشة العلاقة بين الأدب والسلطة، بين الاعتراف والقيمة، وبين المركز والأطراف، في إطار يجمع السخرية بالمأساة.(*) تتحدث عن “الوهم القاتل” حيث تفضح الرواية وهم الاعتراف الثقافي العالمي من خلال الجوائز الكبرى بمنطق المصالح والهيمنة لا بالاستحقاق الحقيقي التي تدار، هل ذلك الوهم خاص بالكتّاب فقط، أم يمتد لشرائح أخرى من المجتمع؟في الرواية مسألة الوهم لا تُطرح بوصفها وهمًا فرديًا بسيطًا فقط. الوهم الفردي مفهوم: شخص بإمكانات محدودة يحلم بمكانة أكبر، يتوهم أنه لم يُنصف، أو أن المجتمع لم يقدّر قيمته. هذا النوع من الوهم يمكن أن يتراجع عنه الإنسان في لحظة وعي، فيقول: “هذا أكبر مني”، ويعود إلى حياته البسيطة، يعمل ويكتب ويعيش بحدوده الواقعية.لكن المشكلة التي تطرحها الرواية أعمق من ذلك: الوهم حين يصبح مؤسساتيًا. أي عندما لا يعود مجرد فكرة داخل رأس شخص، بل مشروعًا تُنتجه منظومة كاملة: النظام الاجتماعي، والأخلاقي، والثقافي، والسياسي، والإداري. هنا نحن أمام وهم مُصنَّع، لا متخيَّل فقط.في الرواية، تمثل “بيتْنا” نموذج المؤسسة التي تُنتج الوهم. فالشخص لا يدخل مجرد مكان، بل يدخل “مجبرًا نفسيًا” يُعاد فيه تشكيله. يُدرَس، تُفهم نقاط ضعفه، رغباته، إحباطاته، ونقصه الداخلي. ثم يُقدَّم له عالم بديل مصمم بدقة: نظام، ترتيب، احترام، استقبال لائق، وجوه بشوشة، اهتمام، إنصات. الشخص الذي يشعر في المجتمع بأنه مُهمَّش أو بلا قيمة، يجد نفسه فجأة مُحتفى به، يُفتح له الباب، يُستقبل، يُستمع إليه.المؤسسة لا تمنحه فقط وهْم المكانة، بل تعيد “تكوينه”: في سلوكه، مظهره، لغته، طريقته في التعامل، حتى في صورته التي يتخيلها عن نفسه. يشعر أنه انتقل إلى مستوى أرقى، وأن حياته أصبحت “أجمل” وأكثر معنى. هذا ليس صدفة؛ بل عملية تصنيع كاملة للذات.وفي أثناء هذه العملية، يُزرع الوهم في داخله بوصفه حقيقة. لا يبدو ككذبة، بل كمسار طبيعي ومستحق. هو لا يُخدع بالقوة، بل يُسحب تدريجيًا عبر الإغراء الرمزي والنفسي. وفي المقابل، تُستنزف موارده، خاصة ماله، تحت غطاء خدمات ووعود ومكانة.هنا يظهر ما يمكن تسميته “الوهم القاتل”: وهم لا يُنتج فردًا حالمًا فقط، بل فردًا مُعاد تشكيله ليؤمن بالوهم ويدافع عنه، حتى ضد واقعه. وعندما ينكشف كل شيء في النهاية، يكتشف أن ما عاشه كان دائرة مغلقة جميلة في ظاهرها، لكنها في جوهرها آلة استنزاف وتدمير.بهذا المعنى، الرواية لا تتحدث عن إنسان ساذج فحسب، بل عن إنسان يمر عبر منظومة تصنع له حلمًا، ثم تسحقه داخله. وهذا ما يجعل الوهم هنا بنية نظام، لا مجرد خطأ فردي.(*) كشفت كيف تُكسَر الهوية الإنسانية باسم النجاح والنظام، وأكدت أن المجد والجوائز زائفة، بينما الكرامة والصدق مع الذات هما الانتصار الحقيقي. إلى متى سيظلّ الإبداع الحقيقي ضحية منظومات تلمّع الزيف وتقصي الصدق بصمت؟تبدأ فكرة الإنسانية في الرواية من اللحظة التي يدخل فيها البطل إلى النظام الجديد، وتحديدًا منذ مشهد البريد المركزي. هناك يحدث التحول الأول: يتعامل مع امرأة تعامله باحترام ورقيّ، وهو أمر ليس مألوفًا دائمًا في حياته السابقة. ثم تتعمق التجربة عندما يزورها في مقرّها، ذلك البيت القديم الجميل الذي يقدَّم للقارئ بوصفه فضاءً دافئًا وجاذبًا.منذ تلك اللحظة يبدأ فقدان الهوية. لكن ما هي هذه الهوية؟ هي هوية الإنسان البسيط الذي يستيقظ صباحًا إلى عمله، يكتب، يحمل قضايا يؤمن بها: قضايا إنسانية، ثقافية، الدفاع عن الحق، عن الطبيعة، عن الحياة، عن الفقراء. هي هوية من يكتب قصيدة عن “قفة رمضان”، عن الحاجات الأساسية التي تُمنح للفقراء، أي أنه مرتبط بالناس وبهمومهم اليومية. كان فخورًا بانتمائه، بلغته، ببيئته، بعلاقاته، بحياته البسيطة ذات المعنى.هذه الهوية الإنسانية الجميلة تبدأ بالتآكل حين يدخل في اللعبة الجديدة. نكتشف أن ما يجري ليس ارتقاءً، بل تفكيك منظم لتلك الهوية. المواطن الحيّ، العفوي، صاحب القيم، يتحول تدريجيًا إلى شخص منمّط، مصنوع، لم يعد هو ذاته. مفهوم الكرامة نفسه يتبدل. كان يعتز بتقدير الناس له، باهتمام رئيس البلدية والمجلس المحلي حين فاز بجائزة بسيطة، وكان هذا الاعتراف جزءًا من نسيج حياته.لكن داخل المؤسسة تتغير المعايير. تُفرَّغ هذه القيم من معناها. حتى الشهادات التي كتبها له أصدقاؤه بدافع المحبة، والتي كانت مناسبة في سياق محلي صغير، يُقال له إنها بلا قيمة في “العالم الكبير” للجوائز الضخمة. يدخل إلى منظومة أعقد، فيبدأ بخسارة قيمه واحدة تلو الأخرى، إلى أن يصل إلى لحظة يخسر فيها ذاته.يجد نفسه في عالم الزيف: تزوير وثائق، شهادات مصطنعة، صورة مبالغ فيها عن شخصيته، ومع ذلك يقبل بالأمر، ولا يعترض، لأن الوهم أصبح أقوى من وعيه. حتى مواقفه الشخصية والدينية تتعرض للاختبار؛ حين يُطلب منه حضور لقاء في وقت صلاة الجمعة، يحاول التمسك بما كان يمثله سابقًا، لكن الضغط الرمزي للنظام الجديد يجعله في حالة ارتباك بين هويته القديمة والصورة التي يُراد له أن يكونها.هكذا لا يكون التحول مجرد صعود اجتماعي، بل يكون مسارًا تدريجيًا لاقتلاع الإنسان من جذوره، من بساطته، من قِيَمه الأولى، ليُعاد تشكيله وفق منطق مؤسسة تصنع صورة براقة، لكنها في العمق تسلبه نفسه.#ضفة ثالثة # مجلة ايليت فوتو ارت..


