مدينة ” زد ” المفقودة
The lost city of Z
هذا واحدٌ من أجمل الأفلام المُنتجة عام 2016 ، من حيث الموضوع و السيناريو و التمثيل و التصوير و الموسيقى ــ التي كانت مؤثرة ــ و الإخراج المدروس الذي قاد كل هذه العناصر بإدارة المخرج الأمريكي ــ الذي كتب السيناريو أيضاً ــ ” جيمس گراي ” ، و هو مخرج بدأ مشواره في الخامسة و العشرين من عمره ، فنال العديد من الجوائز ، و باتت المهرجانات تحسب حسابه .
الفيلم يعتمد واقعة حقيقية ، سلّط عليها الضوء و أرّخها الكاتب ” دا ڤيد گران ” في كتابه ( البحث عن مدينة زد ) ، فالتقطها المخرج ” جيمس گراي ” ليقدمها الينا في فيلم من بطولة الممثلين الإنجليز : ” چارلي هونام ” بدور الضابط و المستكشف ” پيرسي فاوست ” ( المولود عام 1867 و المختفي عام 1925 ) و ” سينـّا ميللر ” بدور زوجته ( نينا فاوست ) و ” روبرت پاتينسون ” بدور مساعده ( هنري كوستين ) . فيما اعتمد المخرج الموسيقي المؤثرة و الباذخة لـ ” كريستوفر سپيلمان ” . و قد عمد الى زج الممثل ، نجم السينما الإيطالية المخضرم ” فرانكو نيرو ” في مشهد قصير ــ بدور ( البارون ) ــ كما فعل المخرج ” كوينتن تارانتينو ” عام 2012 حين زجه في مشهد عابرٍ في فيلمه ( جانگو المتحرر من القيد ) ، من بطولة ” جيمي فوكس ” و ” ليونادو دي كابريو ” و ” ساموييل آل . جاكسون ” و ” كريستوف ڤالتز ” الذي نال جائزة الأوسكار عن دوره في الفيلم ، كممثل في دور ثانوي .
فيلم ( مدينة ” زد ” المفقودة ) يروي قصة المستكشف البريطاني ” پيرسي فاوست ” ، الذي شدّ الرحال لاستكشاف أراضي ( الأمازون ) في ( بوليڤيا ) بطلبٍ من ( الجمعية الملكية الجغرافية ) في لندن ، بعد أن تم استدعاؤه من إيرلندا في شهر مارس عام 1906 ، حين كان ضابطاً برتبة رائد في الجيش البريطاني هناك .
و يُعلـِمُهُ رئيسُ الجمعية أن سبب الرحلة يعود الى أن كلاً من بوليڤيا و البرازيل تنويان ترسيم حدودهما ، و هما تودّان أن تكون بريطانيا حَكماً دولياً في تلك المهمة ، و ينبّهه الى أن الرحلة محفوفة بالمخاطر ، وأن تلك المنطقة غنية بغابات المطاط ، ما يعني سبباً لإثارة المشاكل الاقتصادية . ولكن الرائد ” فاوست ” لم يكن معنياً بهذا الجانب الاقتصادي بقدْر اهتمامه بشرط الإغراء الذي طرحه أمامه رئيس الجمعية ، و هو حصوله على رتبة عسكرية عالية و الاحتفاظ بسمعة العائلة ، بعد أن أخبره بأنه يعرف تاريخ والده الذي كان مقامراً و معاقراً للخمر ، و هو ما قال ” فاوست ” أنه يجهله . و يوضّح له رئيسُ الجمعية و مساعدُه أنه سيخوض في أرض غامضة ، ذات غاباتٍ كثيفة ، فيها أمراضٌ قاتلة و أقوامٌ متوحشون ، و تنطوي على أسرارٍ غير مُكتشَفة . الأمر الذي يغري ” بيرسي فاوست ” لخوض التجربة استجابةً لروح الإقدام و المغامرة و الاستكشاف التي ينطوي عليها .
في إبريل من عام 1906 ، تبدأ رحلته الغامضة صُحبة مساعده الخبير ” هنري كوستين ” . و بعد مغامرة في نهر الأمازون الغامض الشهير و التعرض للمخاطر ، لم يعثر إلا على بعض لُـقىً . هذه اللُـقى أوحت اليه بوجود حضارة قديمة مدفونة في أرض الأمازون . و عندما يعود الى لندن و يطرح على ( الجمعية الملكية الجغرافية ) فكرة البحث عن معالم تلك الحضارة الدفينة ، تنقسم الجمعية الى فريقين : فريق مؤيد يشجع على خوض تجربة البحث ، و آخر معارض يستهجن الفكرة .
ولكن ” پيرسي فاوست ” يدفعه دافعٌ شخصي الى أن يثبت للآخرين أنه وقف على سرٍ حضاريٍ غامض ، على ( الجمعية الملكية الجغرافية ) أن تعينه على اكتشافه و إثبات حقيقته . و هكذا تبدأ رحلته الثانية في مايو من عام 1912 ، صَحبَهُ فيها رفيقه ” هنري كوستين ” . و في هذه الرحلة التي صادفتهما أهوال أكثر ، تستضيفه قبيلةٌ من أكلة لحوم البشر و تتعاطف معه ، ولكنّ نقصَ المؤونة و شدة الأهوال المتعاقبة تدفعه الى العودة . ثم تشب نارُ الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، فيخوضها دفاعاً عن بلاده ، كواجبٍ وطني ، غير أن شغفه في العثور على سر الحضارة المفقودة في أراضي الأمازون الغامضة ، لم يغادره .
في عام 1925 ، اندفع ـــ بعيداً عن ( الجمعية الملكية الجغرافية ) ـــ نحو خوض المغامرة ، بدافعٍ شخصي ، فاصطحب ابنه ” جاك ” الذي أصرّ على رفقة والده الشجاع ، ولكن المغامرة انتهت نهاية غامضة .. و لم يُعرف ـ حتى هذه اللحظة ـ مصيرُهما . و قد أجاد المخرج ” جميس گراي ” صياغة صورة غيابهما المؤلمة السلسة .
غير أن زوجته ” نينا فاوست ” لم تكن قد فقدت الأمل بعودتهما ، حتى وفاتها عام 1954 ، على الرغم من أن جميع محاولات البعثات التي خرجت للبحث عنهما قد باءت بالفشل .
و طوال مئة عام ، كان اعتقاد ” پيرسي فاوست ” بوجود حضارة قديمة في أراضي الأمازون قد قوبل بالسخرية و الاستهزاء ، حتى اكتشف علماءُ الآثار ــ مطلع القرن الحادي و العشرين ــ طرقاً و جسوراً و تُحَفاً أثريةً أثبتت صحة نظرية ” بيرسي فاوست ” .
فيلمٌ هادئٌ ، جميلٌ في بنائه و تصويره و موسيقاه و إخراجه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ #سينما العالم #محلة ايليت فوتو ارت.


