هيباتيا: زهرة العقل التي اغتُصبت في زمن الغوغاء1. من هي هيباتيا؟وُلدت هيباتيا حوالي عام 360 ميلادية في مدينة الإسكندرية المصرية، في ظل الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وكانت ابنة الرياضي والفيلسوف ثيون الإسكندري. لم تكن هيباتيا مجرد عالمة أو فيلسوفة عابرة، بل كانت تجسيدًا حيًا للفكر اليوناني الكلاسيكي في لحظاته الأخيرة قبل أن يطويه مدّ التعصب الديني والصراعات السياسية.2. العقل والفضيلة: تربية فريدةربّاها والدها على المبادئ الفلسفية لأفلاطون وأرسطو، وعلّمها الرياضيات، الفلك، والمنطق. لم يربها كأنثى فقط، بل كعقل. تجاوزت كل الحدود الاجتماعية المفروضة على النساء في زمنها، لتصبح أستاذة ورئيسة المدرسة الأفلاطونية الحديثة في الإسكندرية، وهي مدرسة فلسفية تستقي من أفلاطون، لكنها تمزج ذلك بالروحانيات والأخلاق.كانت تلقي محاضرات علنية، ويحضرها مسيحيون، وثنيون، ويهود، لأنها كانت تدرس العقل، لا العقيدة.3. صراع الإسكندرية: الدين والسياسة والنارفي بداية القرن الخامس، كانت الإسكندرية تعاني من صراعات دامية بين المسيحيين والوثنيين واليهود. وبعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية، بدأت حملة تطهير ديني بقيادة بعض الأساقفة المتشددين.ظهر في المشهد السياسي اثنان من الشخصيات القوية:كيرلس الأول، أسقف الإسكندرية، زعيم التيار المسيحي المتشدد.أوريستس، والي المدينة، مسيحي معتدل، لكنه رأى في العلمانية حصنًا ضد الاستبداد الديني.هيباتيا، بحكم نفوذها الفكري وعلاقاتها الوثيقة مع أوريستس، أصبحت هدفًا مباشرًا للاتهامات. كان ينظر إليها بعض الغوغاء على أنها ساحرة وثنية، تحجب الوالي عن “نور المسيحية الحقيقية”.4. المأساة: نهاية العقل في شوارع الإسكندريةفي عام 415 م، هاجمتها مجموعة متطرفة تُعرف باسم “البارابالاني”، وهم ميليشيا دينية تابعة للأسقفية. اختطفوها من عربتها في وضح النهار، وسحلوها إلى إحدى الكنائس.وهناك:جُردت من ملابسها.ضُربت بقطع من الخزف.ومُزق جسدها، ثم أُحرقت بقاياه.هذه الجريمة لم تكن فقط ضد امرأة، بل ضد رمز للفكر، رمز للعلم والحوار.5. إرث هيباتيا: الفجر الذي لم يكتملموت هيباتيا شكّل نهاية رمزية لعصر التعددية الفكرية في العالم القديم، وبداية عصور من الظلام الفكري، حيث ساد منطق السلطة بدلًا من منطق البرهان.ومع ذلك، لم تمت هيباتيا بالكامل:ألهمت الكتّاب والفلاسفة في عصر النهضة.ظهرت في أعمال فكرية مثل رواية “هيباتيا” لتشارلز كينغسلي.أصبحت رمزًا عالميًا للمرأة العالمة ولحرية الفكر في وجه الاستبداد.
#د.جوزيف زيتون
#مجلة ايليت فوتو ارت.


