هل تقف اللهجة عائقا في وصول دراما رمضان للمشاهد العربي في المشرق..؟

.

الجودة تنتصر على اللهجة في الدراما الرمضانية

الحكاية أولًا

تونس-

في كل موسم رمضان، يعود الجدل حول تأثير اللهجات العربية على انتشار المسلسلات، خصوصًا تلك القادمة من المغرب العربي، حيث تُثار أسئلة متكررة: هل تشكّل اللهجات المحلية عائقًا أمام وصول الأعمال المغربية والتونسية إلى جمهور المشرق؟ أم أن المسألة أعمق وترتبط بعوامل إنتاجية وتسويقية وثقافية تتجاوز اللغة ذاتها؟ولا شكّ أن اللهجة تلعب دورًا مباشرًا في تلقّي العمل الدرامي، فالمشاهد العربي اعتاد لعقود طويلة على اللهجتين المصرية والسورية، بفضل كثافة الإنتاج وانتشارهما عبر الفضائيات العربية منذ ستينيات القرن الماضي. هذا الاعتياد لم يكن نتيجة بساطة اللهجة فحسب، بل ثمرة استمرارية الحضور وتراكم الذاكرة البصرية والسمعية.في المقابل، واجهت اللهجتان المغربية والتونسية صعوبة نسبية في الاختراق الجماهيري الواسع، بسبب سرعة النطق، واختلاف البنية الصوتية، واستعمال مفردات محلية ذات جذور أمازيغية أو فرنسية أو إيطالية، ما جعلها أقل ألفة لدى المشاهد المشرقي.لكن هذا العامل، على أهميته، ليس عائقًا مطلقًا، فالتجربة أثبتت أن المشاهد العربي قادر على التكيّف مع أي لهجة متى توفّرت حبكة مشوّقة، وشخصيات جذابة، وإخراج متقن.وشكّلت اللهجة المصرية النموذج الأوضح على أن الانتشار لا يصنعه الوضوح اللغوي وحده، بل الاستمرارية، فمنذ مسلسلات مثل “ليالي الحلمية ” و”رأفت الهجان”، وصولًا إلى أعمال معاصرة مثل “الاختيار” وثجعفر العمدةث، رسّخت الدراما المصرية لهجتها كـ«لغة درامية مشتركة» في الوعي العربي.حتى المفردات الشعبية الثقيلة أو المحلية وجدت طريقها إلى التداول العربي، ليس لأنها سهلة، بل لأن المشاهد اعتاد سماعها داخل سياق درامي جذاب ومتكرر. وهنا، تحوّلت اللهجة من حاجز محتمل إلى عنصر ألفة وارتباط وجداني.ورغم أن اللهجة السورية ليست واحدة، وأن لهجة دمشق تختلف عن الساحل أو الشمال، فإن الدراما السورية نجحت في جعلها مفهومة عربيًا، خاصة عبر الأعمال الاجتماعية والتاريخية.اعتاد الجمهور اللهجة المصرية والسورية لأن الدراما حضرت طويلًا، بينما يحتاج غيرها وقتًا وتسويقًا ذكيًا لكسر الحاجز اللغوي لدى المشاهد العربي اليوم.وأسهمت مسلسلات مثل “باب الحارة”، “التغريبة الفلسطينية”، و”الانتظار” في تطبيع اللهجة، حتى تلك التي تحمل مفردات شامية خالصة. كما لعبت المسلسلات التاريخية دورًا إضافيًا، إذ خفّفت من مركزية اللهجة عبر الفصحى أو اللغة البيضاء، ما سمح للأعمال السورية بالانتشار دون مقاومة لغوية تُذكر.بدورها، عرفت اللهجة الخليجية مسارًا مشابهًا، إذ كانت في السابق محصورة في نطاق جغرافي محدود، قبل أن تفرض حضورها عربيًا عبر مسلسلات مثل “طاش ما طاش”، الذي شكّل نقطة تحول في تقبّل اللهجة السعودية، ثم لاحقًا أعمال مثل”العاصوف” و”رشاش”،كما أسهمت الدراما الكويتية، عبر مسلسلات مثل “ساهر الليل” و”أمينة حاف”، في جعل اللهجة الخليجية مألوفة، لا سيما مع تصاعد الإنتاج الرمضاني وتزايد العرض على المنصات الرقمية.وقدّمت تونس خلال السنوات الأخيرة نماذج لافتة نجحت في تجاوز الحاجز اللهجي، خاصة في شهر رمضان، من أبرز الأمثلة مسلسل “المايسترو”، الذي تناول قضايا العنف المدرسي وإعادة التأهيل الاجتماعي بلغة درامية إنسانية، ما جعله يحظى بمتابعة خارج تونس، لا سيما عبر المنصات الرقمية.كذلك، أثار مسلسل “أولاد مفيدة” اهتمام جمهور عربي واسع، بفضل قصته العائلية المشحونة بالتوترات النفسية والاجتماعية، حيث اعتاد المشاهد تدريجيًا على اللهجة، إلى درجة أصبحت جزءًا من هوية العمل لا عائقًا أمامه، و ينطبق الأمر نفسه على “الفوندو” و”براءة”، اللذين انتشرا رقميًا وتداولا على وسائل التواصل الاجتماعي.وفي المغرب، ظلّ النقاش حول اللهجة أكثر حدّة، نظرًا لاختلافها الكبير عن لهجات المشرق. ومع ذلك، حققت مسلسلات مغربية حضورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تطور الإنتاج الرمضاني.و شكّل مسلسل “بنات العساس” محطة مفصلية، إذ جذب جمهورًا عربيًا بفضل قصته النسوية الجريئة وأدائه التمثيلي القوي، ما دفع العديد من المشاهدين إلى متابعة الحلقات رغم صعوبة اللهجة في البداية، كذلك، استطاع “سلمات أبو البنات” أن يرسّخ شعبية واسعة، معتمدًا على دراما عائلية قريبة من الوجدان العربي.وأسهمت المنصات الرقمية مثل “شاهد” و“نتفليكس” في إعادة تعريف علاقة الجمهور باللهجة. فإتاحة الترجمة العربية أحيانًا، أو الاعتماد على المشاهدة المتواصلة، ساعدت على تطبيع اللهجات غير المألوفة، كما أتاح للمشاهد التدرّج في الفهم بدل الحكم السريع.# صخيفة العرب # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم