ماينلاندر: الكون انتحارٌ إلهيٌّ مستمرّ
انتحر الفيلسوف الألمانيّ فيليب ماينلاندر عن34 عاماً في اوّل نيسان من العام 1876، في منزله، بعد ايّام على صدور المجلّد الأول من كتابه الضخم “فلسفة الخلاص (او الفداء)”. اذ جمعَ الفيلسوف الشابّ رزمةً من النسخ الطازجة، وقف عليها كمنصّة، وركلها ليشنق نفسه، مطبّقاً فلسفته التشاؤميّة بأنفاسه. قرار لا يبدو للمؤرّخين جرّاء صدمة عاطفية، او لحظة مزاج عكِر، او انهيار عصبيّ. بل اتى فعلاً جريئاً وصارماً بعد ستة شهور على مغادرته الخدمة في الجيش الملكيّ البروسيّ، والتي كانت “اكثر شهور حياته خصباً”. فقد وضع خلالها كتابه، وفيه خلاصة تأمّلاته وحياته، هو الذي لم يدرس الفلسفة في اكاديميّة، بل عمل في التجارة والمصارف، ثم مديراً لمصنع والده، ثم في البورصة آملاً ان يراكم مبلغاً يسعفه على التفرّغ للكتابة، ليخسر استثماره مع الأزمة الاقتصاديّة وانهيار الأسهم العام 1873.
خلقَ الله العالم لينتحر به
يقول ماينلاندر انّ “الكائن الأول، الله، كان في وحدة مطلقة، لكنه أدرك أن العدم أفضل من الوجود” ولأنّه لم يكن قادراً على الانتقال من “الوجود المطلق” إلى “العدم المطلق” بقرار لحظيّ، لأن وحدته المطلقة لا تسمح له ببساطة أن “يمحو نفسه”، شاء أن يفتّت وجوده إلى أجسام وكائنات تتصارع وتتلاشى مع الزمن. فكان الكونُ الذي ليس إلا الأثَرَ المحتضر لعمليّة تفكّك الوحدة الإلهيّة، أو “انتحاراً إلهيّاً” مستمرّاً. الله اذاً لم يخلق العالم لأنه أراد الوجود، بل لأنه أراد ألا يكون، بحسب ماينلاندر في مجلّديه الأوّل والثاني الذي صدر بعد رحيله.
إرادة الموت
وعلى عكس استاذه آرثر شوبنهاور (يقول ان يوم قرأ كتابه “العالمُ ارادةً وتمثّلاً” كان اهمّ ايّام حياته) يرى “إرادة الحياة” مجرّد قناع ظاهريّ لـ “إرادة الموت”: فكلّ كائن حيّ انما يحاول البقاء والتكاثر حتى يستنفد طاقته، وينتقل في الأخير إلى السكون والعدم (ولعلها خلاصة انتهى الى ما يشبهها العالِم سيغموند فرويد في كلامه على “غريزة الموت”). الحياة عند ماينلاندر ليست نقيض الموت، بل الطريق الذي تسلكه إرادة الموت نحو غايتها. وهكذا فإنّ الحركة التاريخية للكون والبشر تسير نحو الاضمحلال الكامل والعدم، او الNirvana كما يفهمها، باعتباره الهدف النهائيّ والسامي للوجود.
يقدّر صاحب “التشاؤم الميتافيزكيّ” الأديان “الناضجة”، ولاسيما البوذيّة والمسيحيّة، كتعبير حدسيّ لفهم الوجود والتخلّص من الألم، ولو انها اتخذت احياناً اشكالاً وصوراً بدائيّة. وإذ يرى الدعوة الى الزهد والفداء اهمّ ما فيها، يأنف الجانب الماورائيّ من المسيحيّة، منحازاً الى “الوعي الدينيّ الحقيقيّ” متمثّلاً في النيرفانا، او التلاشي في العدم. يحبّ المسيح الذي ادرك شرور العالم، وعبثيّته، عارفاً ان الخلاص ليس في الحياة، بل في التخلّص منها برضا وسكون، بحسب قراءة الكاتب. ويصفه بالفيلسوف والمخلّص الذي تجسّدت فيه “ارادة العدم” و”إنكار الذات” في اعلى صورهما. بل ويقرأ الصلب كرمز ل”انتحار الإله” الأوّل: فكما افتدى المسيح البشر مضحّياً بحياته، فإن الله (او الكائن الأوّل) قد “ضحّى بوجوده الكلّيّ وأوجد الكون الماديّ لكي يفنى ويتحرّر من ثقل الوجود”.
نيتشه: انها عدميّة منحطّة
ترك ماينلاندر اثراً في فريدريك نيتشه الذي وضعَه بين “انبياء العدم”، لكنه اعتبر عدميّته سلبيّة، حيث يكون الموت غاية الحياة، مستبدلاً ايّاها بالعدميّة الإيجابيّة، ومفهوم “ارادة القوّة”، وحبّ الحياة. وإذا كان “موت الله” للفيلسوف الأوّل حدثاً ماورائيّاً وفيزيائياً، والكون جثّته المحتضرة، اكتفى نيتشه بإعلان “موت الإله” في ثقافة الغرب وأخلاقه ومرجعيّاته الماورائيّة، اي في الخطاب الثقافيّ والتاريخيّ. وكتب في مواجهة فلسفة كلّ من شوبنهاور (استاذه ايضاً) وماينلاندر بالدعوة الى تقديس الحياة، والارتقاء بها، دون التخلّي عن الجسد والملذّات، متوقّفاً عند انتحار المفكر، رابطاً ايّاه بوجوب ان تنهض قيمٌ جديدة كبديل للإيمان بالإله.
سيوران لم ينتحر
امّا اميل سيوران فالتقى مع الفيلسوف المنتحر على ان العدم هو “الحقيقة الأصليّة”، والولادة او الوجود خطأ ميتافيزيكيّ يسبّب الألم والشقاء. ولكن بينما وقّع الأول فلسفته بدمه، جرياً على سقراط والمسيح، رأي الكاتب الرومانيّ انّ التفكير في الانتحار يساعد على بقاء الإنسان حيّاً، اذ يشكّل نافذة حرّية و”امل” بالمغادرة الطوعيّة، حين لا تعود الحياة محتملة. فظلّ يمجّد الإنتحار ويدعو اليه، ليموت ميتة طبيعيّة عن 84 عاماً، بعد سنوات من الإصابة بالخرف، ثم فقدان كامل للذاكرة والوعي، والعجز عن معرفة طريق البيت. اما كان الموت الطوعيّ اجدى، بل وأقلّ قسوة، يا سيّد سيوران؟ امّ غلبت الحياةُ فيك، والتمسّكُ بها، فلسفةَ العدم؟
فلسفة الذات#مجلة ايليت فوتو ارت


