نظرية العقد الاجتماعي بوصفه المبرر الأخلاقي والسياسي لقيام السلطة المنظمة.

العقد الاجتماعي: أسس الفلسفة السياسية الحديثة… التعريف والجوهر الفلسفيالعقد الاجتماعي هو نظرية فلسفية سياسية تبلورت خلال عصر التنوير، تطرح أن شرعية الدولة تستمد من اتفاق – صريح أو ضمني – بين أفراد المجتمع. يُنظر إلى هذا العقد باعتباره المبرر الأخلاقي والسياسي لقيام السلطة المنظمة، حيث يتنازل الأفراد طواعية عن جزء من حرياتهم المطلقة التي يتمتعون بها في “حالة الطبيعة” مقابل حماية حقوقهم الأساسية المتبقية وتحقيق الأمن والاستقرار الجماعي.الجوهر الفلسفي للمفهوم يقوم على عدة ركائز أساسية:· حالة الطبيعة: وهي حالة افتراضية سبقت قيام المجتمع السياسي المنظم، يختلف وصفها بين الفلاسفة.· التنازل الطوعي: يقوم الأفراد بموجب هذا العقد بالتنازل عن بعض الحقوق الطبيعية لصالح كيان أعلى (الدولة).· الشرعية المستمدة من الرضا: لا تكون السلطة السياسية مشروعة إلا إذا ارتكزت على موافقة المحكومين.· الإرادة العامة: عند بعض الفلاسفة، يصبح العقد تعبيراً عن الإرادة الجماعية للمجتمع وليس مجرد تجميع للإرادات الفردية.،،، مقارنة بين الفلاسفة المؤسسينتوماس هوبز (1588-1679)وضع هوبز الأسس المنهجية الأولى لنظرية العقد الاجتماعي الحديثة في كتابه الشهير “اللوياثان” (1651).· حالة الطبيعة عنده: يصورها على أنها “حرب الكل ضد الكل”، حيث الحياة تكون “منعزلة وفقيرة ومقرفة وبهيمية وقصيرة”. الإنسان في هذه الحالة أناني بطبعه، يسعى لتحقيق مصلحته حتى على حساب الآخرين.· الهدف من العقد: الهروب من فوضى حالة الطبيعة المرعبة. يجتمع الأفراد ويبرمون عقداً فيما بينهم فقط (وليس مع الحاكم) للخضوع لسلطة حاكم مطلق الصلاحيات (اللوياثان).· طبيعة الحكومة: سلطة مطلقة ولا يجوز مقاومتها. أي حكم، حتى لو كان استبدادياً، أفضل من العودة إلى فوضى الحالة الطبيعية. الشعب يتنازل عن جميع حقوقه الطبيعية للحاكم بشكل كامل ولا يحق له الثورة.· المبدأ الأساسي: الأمن فوق الحرية.جون لوك (1632-1704)قدم لوك رؤية أكثر تفاؤلاً وتأثيراً على الفكر الديمقراطي اللاحق، خاصة في كتابه “رسالتان في الحكم المدني”.· حالة الطبيعة عنده: حالة من الحرية والمساواة، يحكمها “القانون الطبيعي” الذي يكفل الحقوق الأساسية: الحياة والحرية والملكية. ليست حالة حرب دائمة، بل هي “حالة لا بأس بها” ولكنها غير منظمة.· الهدف من العقد: حماية الحقوق الطبيعية التي قد تتعرض للانتهاك في الحالة الطبيعية بسبب غياب قاضٍ محايد. العقد هنا ثنائي الأطراف: بين الأفراد من جهة، وبينهم وبين الحكومة من جهة أخرى.· طبيعة الحكومة: سلطة محدودة ومفوضة من الشعب. مهمتها الأساسية هي حماية الحقوق الطبيعية. إذا أخلت الحكومة بهذا العقد أو أصبحت طاغية، فللشعب الحق الكامل في مقاومتها وعزلها، بل واجبه ذلك.· المبدأ الأساسي: حماية الحقوق الفردية (وخاصة الملكية) هي غاية الحكومة.جان جاك روسو (1712-1778)طور روسو المفهوم نحو الجماعية والديمقراطية المباشرة في كتابه الأكثر شهرة “العقد الاجتماعي” (1762) الذي أخذت النظرية اسمها منه.· حالة الطبيعة عنده: حالة سعيدة وطيبة، حيث كان الإنسان حراً ومتساوياً بشكل كامل. الشرور ناتجة عن تطور المجتمع وعدم المساواة وليس عن الطبيعة البشرية.· الهدف من العقد: حل إشكالية الانتقال من الحرية الفردية المطلقة إلى الحياة المجتمعية دون استعباد. الحل هو الإرادة العامة (Volonté Générale). يتنازل كل فرد عن جميع حقوقه للمجتمع ككل، لا لحاكم أو هيئة.· طبيعة الحكومة: هي مجرد وكيل أو منفذ للإرادة العامة للشعب صاحب السيادة. القوانين يجب أن تعبر عن هذه الإرادة العامة التي تسعى للصالح المشترك، وليست مجرد مجموع الإرادات الخاصة.· المبدأ الأساسي: السيادة للأمة، والتشريع تعبير عن الإرادة العامة.فلاسفة آخرون ساهموا في الفكرةإلى جانب الثلاثة الكبار، ساهم عدد آخر من الفلاسفة في تطور النظرية عبر العصور:· الأصول القديمة: نوقشت أفكار مشابهة عند أفلاطون (في “الجمهورية”) وإبيقور الذي رأى العدالة كعقد اجتماعي وليس قيمة مطلقة.· مؤسسو القانون الطبيعي الحديث: مثل هوغو غروتيوس وصموئيل فون بوفندروف.· إيمانويل كانط: أعطى للعقد الاجتماعي أساساً أخلاقياً كونياً، معتبراً إياه فكرة عقلانية تلزم كل نظام سياسي لكي يكون عادلاً.· القرن العشرين: أعيد إحياء النظرية بشكل قوي على يد جون رولز في كتابه “نظرية العدالة” (1971)، حيث استخدم “العقد الاجتماعي” كتجربة فكرية لاستخلاص مبادئ العدالة في مجتمع ديمقراطي حديث.،،، التطور التاريخي والانتقاداتالتطور والامتدادمنذ البدايات في الفكر الإغريقي، مروراً بالعصور الوسطى ووصولاً إلى عصر التنوير حيث بلغت ذروتها كرد فعل على نظريات الحق الإلهي للملوك. طبقت مبادئ لوك بشكل عملي في إعلان الاستقلال الأمريكي.الانتقادات المعاصرة وأهمية النظرية اليومواجهت النظرية انتقادات عديدة، منها:· الطبيعة الافتراضية: اُنتقدت لاعتمادها على “حالة طبيعة” تاريخية لم توجد فعلياً.· الموافقة الضمنية: تساؤلات حول مدى شرعية اعتبار العيش ضمن دولة موافقة ضمنية على شروط العقد.· إغفال علاقات القوة: قد يتجاهل الإطار التعاقدي التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي تمنع اتفاقاً حراً حقيقياً.رغم الانتقادات، تظل النظرية حية: فهي الإطار الرئيسي لفهم شرعية الحكومات الحديثة، وعلاقة المواطن بالدولة، وأساس مفاهيم مثل المواطنة والمساءلة والحقوق والواجبات. في السياق العربي، يُطرح مفهوم “تجديد العقد الاجتماعي” كإطار لتحليل الأزمات السياسية والاجتماعية، كما في مناقشات ما بعد الربيع العربي، حيث طالبت الشعوب بإعادة تعريف العلاقة مع الدولة لتكون قائمة على العدالة والمساءلة والمشاركة الحقيقية، وليس على الخدمات مقابل السلبية السياسية.خلاصة القول: العقد الاجتماعي ليس مجرد نظرية تاريخية، بل هو إطار ديناميكي مستمر للتأمل في أسس عيشنا المشترك. يذكرنا أن السلطة تستمد شرعيتها منا، وأن الحكومة موجودة لخدمة الشعب وحماية حقوقه، وأن للجماعة إرادةً ومصلحةً تعلو في النهاية عن مجرد مجموع الأفراد …# المثقفون السوريون # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم