نصوص شعرية لآن كارسون الفائزة بجائزة نوبل للآداب 2026

قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون
الحاصلة على جائزة نوبل للآداب 2026
.
(ترجمة وتعريب: يوسف حنا)
.

  1. مدينة الرسول
    .
    بعد موتِك،
    كانَ كلُّ يومٍ عاصفًا
    شديدَ الرياح.
    كلُّ يومٍ
    كان يقفُ في وجهِنا
    كجدار.
    مضينا،
    وعلى امتدادِ الطريق
    كنّا نصرخُ في وجوه بعضِنا البعض بجفاء،
    وكان ذلك عبثًا.
    فالمسافاتُ بيننا
    اشتدّت،
    وتحجّرت.
    مساحاتٌ فارغة،
    ومع ذلك
    كانت صلبةً،
    سوداءَ،
    ومثقلةً بالأَسى،
    كالفجواتِ بين أَسنانِ
    عجوزٍ طاعنةٍ في العمر،
    كنتَ تعرفُها
    منذ سنوات،
    حين كانت جميلة،
    وكانت أَعصابُها
    تجتاحُ جسدَها
    كلهبِ قصرٍ مُشتعل.
    .
    *************

.
2. سفرُ إِشعياء (من قصائد الجزء الأَوّل)
.
استيقظ إشعيا غاضبًا.
كانَ لحنُ الطيور السوداء
يلامسُ أُذنيه—
لا، لم يكنْ لحنًا،
كانَ الغضب.
كان الله قد ملأَ أُذني إِشعيا
بإبرٍ لاسعة.
كان الله وإشعيا صديقين ذات يوم.
كانا يتحدثان كلَّ ليلة،
وكان إشعيا يهرع إلى الحديقة.
يتحدثان تحتَ الغصن،
والليلُ ينسابُ من فوقِهما.
ومن أَخمص القدم
إِلى الرأس،
كان الله يجعلُ إِشعيا
يرتجفُ كوترٍ مشدود.
كانَ إِشعيا قد أَحبَّ الله،
والآن انقلبَ حبُّه أَلمًا.
أَراد إِشعيا اسمًا لهذا الأَلم،
فسمّاه: الخطيئة.
وبما أنّ إِشعيا كانَ رجلًا
يؤمن أنه أُمَّة.
سمّى الأُمةَ يهودية،
وسمّى الخطيئةَ
حالَ اليهودية.
وفي داخل إِشعيا
رأى الله نسيجَ العالم
يحترق.
كان إِشعيا والله
يريان الأَشياءَ على نحوٍ مختلف.
ولا أَستطيع أَن أُخبرَكم
إِلّا بما فعلا.
خاطب إِشعيا الأُمّة:
هشاشةُ الإِنسان!
صرخَ إِشعيا.
تحركت الأُمّة في قشرتِها
ثم عادت إِلى النوم.
قطعتانِ من لحمٍ دامٍ
انطوتا فوق عينيها
كجناحين.
وكأَنّها لوحةٌ صلبةٌ
لامعة،
كانت الأُمَّةُ نائمة.
من يستطيع أَن يبتكرَ خوفًا جديدًا؟
ومع ذلك،
لقد ابتكرتُ الخطيئة،
فكّر إِشعيا،
وهو يمرّر يدَه
فوق النتوءات.
ثم، لأَن بينهما
جاذبيةً عظيمة—
جاذبيةً ظلَّ إِشعيا يصارعُها،
معها وضدّها،
بقيةَ حياتِه—
حطّم اللهُ لامبالاةَ إِشعيا.
غسلَ الله شعرَ إِشعيا بالنار.
وأَخذَ اللهُ الدعامة.
ومن تحتِ جناحي لحمِها،
أَنصتت الأُمّة.
أَيا أَنتَ،
قالَ الله.
لم يكنْ ثمةَ جواب.
لا أَستطيع أَن أَسمعك،
قالَ إِشعيا مرةً أُخرى
تحتَ الغصن.
فجأَةً
شقَّ الضوءُ كاميرا الليل
وبيّضَها.
جاءَ الله.
وحطّمَ إِشعيا،
كزجاجةٍ تتناثر شظاياها،
عبرَ كلِّ مِفصلٍ
من مفاصل أُمَّتِه.
كذّاب!
قالَ الله.
وضعَ إِشعيا يديه على معطفِه،
ثم وضعَ يدَه على وجهِه.
إِشعيا رجلٌ صغير،
قال إِشعيا،
لكنّه ليس كذّابًا.
توقّفَ الله.
وهكذا كانَ ذلك
عهدَهما:
هشّين من الجانبين،
ولا كذب.
جاءَت زوجةُ إِشعيا إِلى الباب،
وكانت قوائمُ البابِ
قد تحرّكت من مواضعِها.
ما هذا الصوت؟
قالت زوجةُ إِشعيا.
مخافةُ الرب،
قال إِشعيا.
ثم ابتسمَ في الظلام،
وعادتْ هي إِلى الداخل.
.
***************
.
3. حديثٌ عابر عن الغيشا ()
.
لطالما كان سؤالُ الغيشا والجنس
سؤالًا معقّدًا.
بعضُهنّ يفعلن،
وبعضُهنّ لا يفعلن.
وفي الحقيقة، كما تعرف،
كانت الغيشا الأولى رجالًا
من المهرّجين وقرّاعي الطبول؛
وكانت ملاسناتُهم الجريئة
تُضحكُ الضيوف.
لكن، بحلولِ عام 1780،
صارَ اسمُ “الغيشا”
يعني امرأَة،
وأَصبحَ ذلك العالمُ الفاتن
لبيوتِ الشاي
خاضعًا لرقابةِ الحكومة.
كانت بعضُ الغيشا فنانات،
وكُنّ يسمّين أَنفسَهنّ
“البيضاوات”.
وأُخريات،
بأَلقابٍ مثل “القطة”
و”المتقلّبة”،
كنّ ينصِبن أَكواخهنّ
كلَّ ليلة
في قاعِ النهر الفسيح،
ثم يختفين قبلَ الفجر.
لكن المهم، في نهايةِ الأَمر،
أَن يكونَ هناك
مَن نشتاقُ إِليه.
سواءَ كان اللحافُ أَطولَ من اللازم،
أَم كانت الليلةُ أَطول من اللازم،
وسواءَ مُنحْتَ هذا المكانَ لتنامَ
أَو ذاكَ المكان،
المهم أَن يكونَ هناكَ
شخصٌ تنتظرُه
حتى يأتي،
فتضطربُ الأَعشابُ من خطاه،
وفي كفِّهِ
ثمرةُ طماطِم.
.
(
) كلمة Geisha تعني بالعربية الجيشا، وهي فنانة ومضيفة يابانية تقليدية.
تتكون الكلمة اليابانية من شقين: (Gei) وتعني الفن، و(Sha) وتعني الشخص، ليكون المعنى الحرفي لها هو “الشخص الفنان” أو “الفنانة”.
طبيعة دور الجيشا:

  • الفن والترفيه: تخضع الجيشا لتدريب صارم لسنوات في الفنون اليابانية الكلاسيكية مثل الرقص التقليدي، الغناء، عزف آلة الشاميسين (الوترية)، وتنسيق الزهور، ومراسم تقديم الشاي.
  • المجال الاجتماعي: دورهن الأساسي هو إمتاع الضيوف (سواء في الحفلات أو المآدب الراقية) من خلال المحادثات اللبقة، الألعاب التقليدية، والأداء الفني.
  • المظهر المميز: يشتهرن بارتداء الكيمونو الفاخر، ووضع مساحيق بيضاء تغطي الوجه بالكامل، والباروكات التقليدية المعقدة.
    التباس شائع:
    هناك مفهوم خاطئ واسع الانتشار (خاصة في الثقافة الغربية) يربط بين الجيشا وبائعات الهوى. في الواقع، الجيشا هن فنانات ومضيفات محترفات يحظين باحترام كبير في الثقافة اليابانية للحفاظ على التراث.
    .
    **************

.
4. الحريّة
.
تعني الحريّة أَشياءَ مختلفة لأُناس مختلفين.
لم أُحبّ قطّ أَن أَبقى في السرير صباحًا.
كان لاو يحبّ ذلك.
وأُمّي تحبّه.
لكن ما إِن يلامسُ ضوءُ الصباحِ عينيّ،
حتى أَرغب في الخروج إِليه—
أَن أَمضي عبرَ الأَرضِ البرّيةِ المفتوحة،
إِلى التيّاراتِ الزرقاء الأولى،
وإِلى الملاحةِ الباردةِ لكلّ ما يستيقظ.
أَسمعُ أُمّي في الغرفةِ المجاورة
تتقلّب، تتنهّد، وتغوصُ أَعمق في نومِها.
أَنزعُ عن ساقيَّ قفصَ الأَغطيةِ البائت،
وأَتحرّر.
في البرّ المفتوح،
كلّ شيءٍ متألّقٍ وقاسٍ
بعد ليلةٍ من الصقيع.
يندفعُ الضوءُ من الجليدِ صعودًا،
مباشرةً نحو ثقبٍ أَزرق
في أَعلى السماء.
الوحلُ المتجمّدُ يقرقعُ تحتَ قدميّ.
ذلك الصوت
ينتزعُني، على حينِ غرّة،
إِلى الحلمِ الذي كنتُ أَحلمُه
هذا الصباح، حين استيقظتُ؛
واحدًا من تلك الأَحلامِ العذبة
التي تمتدُّ طوالَ الليل،
أَرقدُ فيها بين ذراعيّ لاو،
كإِبرةٍ في الماء.
إِنّه جهدٌ جسديّ
أَن أنتزعَ نفسي من يديهِ الحريريتين البيضاوين،
وهما تنسابانِ على وركيّ في الحلم—
أستدير،
وأُواجهُ الريحَ بوجهي،
وأَبدأُ الركض.
تنسابُ خلفي
العفاريتُ والشياطينُ والموت.
في الأَيامِ والأَشهرِ التي أَعقبتْ رحيلَ لاو،
شعرتُ كأَنّ السماءَ انتُزِعَتْ من حياتي.
لم يعدْ لي بيتٌ في الخير.
كانَ فظيعًا
أَن أَرى الحبَّ الذي جمعني بلاو
يتحوّلُ إِلى حيوانين،
ينهشُ أَحدُهما الآخرَ،
ويتضوّرانِ به شوقًا،
في طريقِهما معًا
إِلى جوعٍ آخر.
لعلّ هذا ما يسمّيه الناسُ الخطيئةَ الأَصليّة،
قلتُ في نفسي.
لكن أَيّ حبٍّ يمكنُ أَن يكونَ سابقًا لها؟
ما الذي يسبقُ كلَّ شيء؟
ما الحبُّ؟
لم تكنْ أَسئلتي أَصيلة،
ولم أُجِب عنها أَيضًا.
في الصباحاتِ التي كنتُ أَتأمّلُ فيها،
كانَ يُكشَفُ لي،
لمحةً عارية،
عن روحي الوحيدة؛
لا عن أَسرارِ الحبِّ والكراهية
المتشابكةِ والمعقّدة.
.
**************
.
5. تراكُم العواصفِ الرعديّة
.
مرَّ طائرٌ بسرعةٍ خاطفة، على غيرِ هدىً،
ثم بدأ.
لا نفكّرُ في سرعةِ الحياة.
ولا نفكّرُ: لماذا نكرهُ جيزِبِل؟ ()
نفكّر: مَن ذاكَ الذي يقذفُ الأَشجارَ
على البيت؟
كانت جيزِبِل فينيقيّة.
والعواصفُ الرعديّةُ الفينيقيّةُ جافّةٌ ومخيفة؛
تأتي الواحدةُ في جوفِ الأُخرى،
كإهليجاتٍ ملتويةٍ تحت ضغطِ الدوران.
.
(
) جيزِبِل (Jezebel) أَميل إِلى أَنها الملكة الفينيقية زوجة أَخاب ملك إسرائيل، المعروفة في الرواية التوراتية، ولا سيما في سفري الملوك الأول والثاني. لكنّ أهميتها في هذه القصيدة لا تتوقف عند هويتها التاريخية؛ فالشاعرة تستحضر اسمًا مثقلًا بالذاكرة الدينية والثقافية، ثم تضعه داخل مشهد عاصفةٍ يختلط فيه التاريخ بالخوف، والذاكرة بالعنف.
.
أكثر ما شدّني في هذه القصيدة هو التحوّل في ” لا نفكّرُ: لماذا نكرهُ جيزِبِل؟/ نفكّر: مَن ذاكَ الذي يقذفُ الأَشجارَ/ على البيت؟.
أي إنّ المتكلم لا يعود منشغلًا بالسؤال: لماذا نكره جيزِبِل؟ بل ينشغل بسؤال أكثر إلحاحًا وحضورًا: مَن الذي يقذف الأشجار على البيت؟
هنا ينتقل النص من حكمٍ موروث على شخصية تاريخية إلى رعب اللحظة الحاضرة. كأنّ العاصفة تعيد ترتيب وعينا: ما كنّا نظنّه سؤالًا كبيرًا في التاريخ يتراجع، أمام قوّة الطبيعة التي تضرب البيت نفسه.
لكنّ هناك طبقةً أخرى تستحقّ الانتباه: جيزِبِل امرأة فينيقية، وقد صارت صورتها في الرواية التوراتية رمزًا للشرّ والتمرّد الديني، فيما يرى بعض الباحثين أن سمعتها تشكّلت أيضًا بفعل انحياز الرواية التي حفظت قصتها.
لذلك أقرأ السؤال “لماذا نكره جيزِبِل؟” بوصفه مساءلةً لذاكرةٍ ورثنا أحكامها، لا مجرد إشارة إلى شخصية تاريخية. ثم تأتي العاصفة الفينيقية، جافةً ومرعبة، لتجعل الماضي حاضرًا في صورة الطبيعة وهي تضرب البيت.
ومع ذلك، لا أجزم بأن الشاعرة قصدت هذا التأويل تحديدًا؛ فالنص يتيح هذا الاحتمال، ولا يحسمه. لكنّ المفارقة الشعرية الأجمل عندي هي أن جيزِبِل، التي ورثنا كراهيتها من الحكاية، لا تقذف الأشجار على البيت؛ العاصفة هي التي تفعل، فيما يظلّ الإنسان مشغولًا بكراهية امرأةٍ من الماضي.
(ي.ح.)
.
**************
.
6. بلدةٌ على الطريق عبر غابات الله
.
قُل لي،
هل رأيتَ يومًا غاباتٍ عميقةً جدًا،
بهذا العمق،
كلُّ شجرةٍ كلمةٌ، فهل يتوقّف قلبك؟
ذاتَ مرّة، رأَيتُ غيمةً فوقَ بوليفيا،
عميقةً إِلى حدّ أَنّ الجبالَ كانت تنكمشُ أَمامها.
هل تنظرُ يومًا
بسرعةٍ خاطفة إِلى الداخلِ، فترى السرّ:
الكلمةَ الكامنةَ داخلَ الكلمة؟
كما في عربةِ قطارٍ مهجورة.
في ظهيرةٍ شتويّة، رأَيتُ
الكلمةَ التي تعني:
“غابات الله”.
.
***********
.
#ترجمات_يوسف_حنا #آن_كارسون

#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم