نرمين القماح تكتب Other Mommy .. للرعب وجه نعرفه

نرمين القماح

أقوى أنواع الرعب أن يظهر الخوف من عتمة البيت، يخرج من ملامح نعرفها، وصوت نألفه، ووجه اعتدنا أن نلوذ به طلبًا للأمان. في فيلم Other Mommy للمخرج روب سافاج، لا يتخفّى الخوف وراء قناع غريب، بل يستعير الوجه الأكثر حميمية في حياة الطفل: وجه الأم.

تواجه الطفلة بيلا كيانًا غامضًا يتخذ هيئة أمها، محاولًا التسلل إلى عالمها العاطفي. لكن هذا الكيان لا يكتفي بالتهديد؛ إنه يستدرجها بلغة الحب، ويقترب منها عبر حاجتها إلى الحماية والانتماء، وخوفه عليها من الإحساس بالفقد والوجع. هنا تتجاوز الحكاية تقاليد أفلام الرعب، لتطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو لم يعد الوجه الذي نعرفه دليلًا على الأمان؟ وكيف يمكن للطفل أن يميّز بين الحب الذي يحميه والحب الذي يسعى إلى امتلاكه؟

تكمن قوة الفيلم في هذه المفارقة؛ فالوحش لا يقتحم البيت من خارجه، بل يتسلل عبر تصدعاته العاطفية. وتصبح «الأم الأخرى» صورة مشوّهة للأمومة، حيث يتحول الاحتواء إلى استحواذ، والحنان إلى وسيلة للسيطرة. أما البيت، الذي يفترض أن يكون ملاذًا من العالم، فيغدو فضاءً ملتبسًا تتراجع فيه الحدود بين الألفة والتهديد، وبين ما نراه وما ينبغي أن نخشاه.

بهذا المعنى، لا يتعلق الرعب في الفيلم بوجود كائن خارق فحسب، بل بانهيار الثقة في الأم التي هي رمز  الشعور بالأمان. فالوجه المألوف قد يخفي حقيقة مناقضة لما يوحي به، والكلمات الحانية قد تصبح أكثر إخافة حين نفقد القدرة على الوثوق بمصدرها. إنها لعبة نفسية تستثمر هشاشة الطفولة، وتكشف كيف يمكن للحاجة إلى الحب أن تتحول إلى ثغرة ينفذ منها الخوف.

وتمنح الممثلة “جيسيكا شاستاين” هذه الازدواجية حضورًا لافتًا، مستثمرة المسافة الدقيقة بين الوجه الحاني والوجه المهدِّد. فالرعب لا يحتاج دائمًا إلى ملامح مشوهة؛ قد تكفي ابتسامة في غير موضعها أو نظرة تفقد ألفتها كي يصبح المألوف مصدرًا للريبة. غير أن الفيلم لا يستثمر فكرته بالعمق نفسه في جميع مراحله؛ إذ تميل بعض مشاهده إلى الإفراط في المفاجآت البصرية والمؤثرات، على حساب التراكم النفسي الذي يمنح الرعب أثره الأبعد. وهكذا تتقدم الصدمة أحيانًا على حساب المعنى، ويصبح إخافة المشاهد غاية تتراجع أمامها المعنى.

كان يمكن للفيلم أن يتوغل أكثر في علاقات الأسرة وتصدعاتها، وأن يجعل الرعب امتدادًا عضويًا للأزمة العاطفية، لا مجرد إطار تحيط به مشاهد التهديد. ومع ذلك، تظل فكرته المركزية أكثر إثارة من تقنياته: فالخطر لا يأتي دائمًا من الغريب الذي نخشاه، بل قد يتخفى في صورة المألوف الذي نطمئن إليه.

في النهاية، يضعنا Other Mommy أمام حقيقة مقلقة: إننا لا نخاف فقط مما نجهله، بل مما نظن أننا نعرفه جيدًا، ثم نكتشف أننا أخطأنا في قراءته. فالوحش الأكثر قدرة على إخافتنا ليس ذلك الذي يقف خلف الباب، بل الذي نفتح له الباب بأنفسنا، لأن وجهه يشبه وجه من نحب.

للرعب وجه نعرفه؛ تلك هي الحيلة الأكثر قسوة التي يتركها الفيلم معلّقة في ذاكرتنا: أن الألفة، حين تفقد صدقها، قد تصبح أكثر إخافة من الغريب الذي نجهله.

******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم