شهدت صالة فرع اتحاد الكتاب العرب بحمص، في تمام الساعة السادسة من مساء اليوم الثلاثاء، ندوة حوارية استثنائية حملت عنوان: “الكاتبات والوحدة: حين تصبح العزلة ملاذاً أو منفى..”، مستوحاة من طروحات كتاب “الكاتبات والوحدة”.
شهدت الندوة حضوراً مميزاً من المثقفين والأدباء والمهتمين بالمشهد الثقافي، وتميزت بنقاش حر ومكاشفات صريحة وعميقة قدمتها الأديبات المشاركات: الدكتورة لين غرير، الشاعرة قمر الجاسم، والأديبة عبير النحاس.
في ورقتها، قاربت الدكتورة لين غرير مفهوم الوحدة من زاويتين؛ الاختيارية الذاتية، والإجبارية المفروضة من المحيط. وأشارت إلى أن الوحدة كانت رفيقتها منذ الطفولة، وتحولت عبر الزمن من مصدر حزن وشك إلى “نافذة للإبداع وأنيس محبب” يسهم في تحقيق الاستقرار النفسي بعد سن الخمسين.
وفي الجانب الآخر، وصّفت غرير “الجانب القاتم” للوحدة التي يفرضها المجتمع الشرقي، مؤكدة أن القيود تتضاعف عندما تكون المرأة كاتبة، حيث تُحارب وتُقصى، وتضطر أحياناً لتقييد نفسها بنفسها خوفاً من الأحكام المسبقة، مما يجعل شرط الكتابة الأنثوية هو “الشجاعة والجرأة الفائقة” لتجاوز تلك الحواجز العالية.
من جهتها، قدمت الشاعرة قمر الجاسم طرحاً مغايراً يتكئ على تجربتها كشخصية “اجتماعية وانبساطية” تشحن طاقتها من الناس وتكتب قصصهم. وبيّنت الجاسم أنها لم تعش عزلة الطقوس، بل كانت تكتب نصوصها وسط صخب الحياة والواجبات العائلية، محولةً العزلة إلى “ورشة عمل إبداعية” متحركة.
وفي المحور الثاني، انتقلت الجاسم للحديث عن “عزلة المنافي والحصار والتهميش”، مستشهدة بمقاطع مؤثرة من قصيدتيها “أنا لا أراني” و”على متن قشة” التي ناقشت فيها مصطلح “المرأة ألد أعداء المرأة” ودور بعض النساء في إقصاء المثقفات. كما أكدت تعرضها شخصياً لاتهامات بـ”السوداوية والتشظي” من بعض النقاد والمجتمع لمحاولتها تفكيك المسكوت عنه والكتابة عن الحرية والحرب منذ مجموعتها الصادرة عام 2004.
واختتمت الأديبة عبير النحاس القراءات بمكاشفة وجدانية مؤثرة حول مسيرتها مع الحرف منذ الطفولة في مكتبة والدها. وسردت النحاس بجرأة محطات التحدي والمقاومة التي خاضتها؛ بدءاً من حرق دفاتر مذكراتها في المراهقة هرباً من رقابة العائلة، مروراً برفض والدها دراستها للإعلام خوفا عليها من قلمها، ووصولاً إلى “حرب الحرف” التي واجهتها بعد الزواج، والمواقف الصادمة من المحيط الأسري والمجتمعي تجاه كلفة النشر وقيمة أدب المرأة.
وأشارت النحاس إلى أنها اضطرت لابتكار “شيفرة خاصة” لتمارس الكتابة بعيدا عن العيون المتطفلة و”شخصيتين” للتعايش: امرأة تجيد مجاراة المنافسات الاجتماعية نهاراً، و”عبير الكاتبة” التي تستيقظ ليلاً لتسكن جسدها وتبدأ رحلتها الحقيقية. وختمت النحاس برؤية فلسفية قلبت فيها الموازين، قائلة: “إن الرفض المجتمعي يزيد من عزلتنا، والوحدة هي مادة الإبداع وتوأم الكتابة.. هذا المجتمع الذي ينفينا يمنحنا طاقة أكبر للإبداع، فشكراً لهذا المجتمع القاسي الذي جعلنا نُمتع الآخرين بآلامنا وتحويل همومنا إلى مادة أدبية بدلاً من الصراخ في العيادات النفسية”.
أعقب تقديم الأوراق مداخلات وأسئلة غنية من الجمهور الحاضر، ركزت في مجملها على خصوصية الإبداع الأنثوي في سورية، والمعوقات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الكاتبات اليوم، مشيدين بقدرة الأديبات الثلاث على تحويل الجروح الشخصية إلى شهادات ثقافية وتاريخية حية وصادقة.


