بداية السبعينات تأممت جامعة الحكمة الأهلية (ماكو بعد جامعات أهلية)، فانتقلتْ تلك الكلية من الزعفرانية للوزيرية، وداومتْ دوراتها الأخيرة معنا في قسمي الإدارة والاقتصاد. شعرنا أن كائنات فضائية قد حلت بيننا، فهم جمهرة من الطلاب الأنيقين والطالبات الحسناوات اللواتي خطفن الأنظار بالأناقة والترف والجمال، وكان من بينهن وجدان الطاهر ملكة جمال العراق عام 1972.
تخيلوا ان ملكة جمال العراق تظهر بيننا كل يوم ههه، وكانت طويلة وجميلة وتبدو أكبر من عمرها، كما وتجعل من يسير بقربها لا يٌرى بالعين المجردة. حكايتي مع ملكات الجمال غريبة، فمديرتي في الثانوية كانت ملكة جمال العراق أيضاً، واسمها ثريا المطير، وهي فعلا جميلة جدا، وتختلف عن وجدان التي تميل إلى الجمال القياسي للمسابقات، كما أن مرسم الكلية كانت تديره الفنانة الجميلة ليلى العطار، فكنا نراها كل يوم تقريباً. نعم كان يوجد في الكلية مرسم ومسرح وفريق بنات لكرة السلة.
طلاب جامعة الحكمة أغلبهم من المسيحيين، وكانت مجموعتنا أيضا تضم عددا كبيرا من المسيحيين، فتقاربت المجموعتان، وأصبحت هناك طالبة قريبة من جهتين في غاية التناقض. ترف الحكمة من جهة، ويسار الغلابة من جهة أخرى.
استفدتُ من هذه التجربة الفريدة في روايتي العرش والجدول، وعندما جلستُ لكتابتها كان علي أن أدع عنصر التشويق داخل الرواية، هو قصة الحب، التي تحدث بين قمر وجميل من (حزب محظور في ذلك الوقت)، وقد جعلتُه في الرواية الأبعد عن الجميع للتستر على نفسه من عيون الأمن، ثم هرب من العراق، وعاد إليه بعد عام 2003، وبذلك اكتملت الصورة، وامتدت القصة، التي بدأت عام 1977، حتى العام 2007.
اقتباس من الرواية على لسان حيدر سلام:
(أما الفئة المترفة من جامعة الحكمة، التي تأسست على يد الآباء اليسوعيين الأمريكيين في الخمسينيات، وأَمّمها صدام حسين بداية السبعينيات، فانتقلت من الزعفرانية إلى كليتنا في الوزيرية، وجاءت معهم قمر ذات المظهر الطفولي والمزاج المرح. سرعان ما وجدت طريقها إلينا عن طريق مجد البزركان صديقتنا المشتركة ونصيرة الحزب (يقصد الشيوعي)..
توطدت صداقتنا بسرعة.. بل شعرنا بارتياح بالغ لقمر منذ أول يوم رأيناها فيه.. ولا بد أنها، مع صديقتها الكردية أميرة، قد انجذبت لجمع مختلف عنهما كل الاختلاف، وقد تحلق ذلك الجمع حولي، وارتبط باسمَيْ حيدر سلام، ولكنهما لم تقبلا قط أن تخطوا أكثر من ذلك باتجاه الحزب).


