ميريل ستريب، رشحت للأوسكار بـ21 ترشيحاً وثلاث جوائز، حالة فنية استثنائية يصعب تكرارها في تاريخ السينما العالمية. .. .

💥 ميريل ستريب .. امرأة تسكن الجميع سبعة وسبعون عاماً من اكتشاف البشر«سينماتوغراف» ـ أسامة عسل

هناك ممثلات يصنعن حضورهن بالكاريزما، وأخريات يعتمدن على النجومية أو الجمال أو الهالة الإعلامية. أما ميريل ستريب فاختارت طريقاً أكثر صعوبة وأشد ندرة، أن تختفي.هذه هي المعجزة الحقيقية التي جعلت اسمها يتجاوز حدود النجومية التقليدية ليصبح مرادفاً لفن التمثيل نفسه. فكلما ازدادت شهرتها، ازدادت قدرتها على التواري خلف الشخصيات. لا تدخل ميريل ستريب إلى الدور باعتبارها نجمة تؤديه، بل باعتبارها إنساناً جديداً يولد أمام الكاميرا. لهذا لا يتذكر المشاهد ميريل في كثير من الأحيان، بل يتذكر صوفي، وميراندا بريستلي، ومارغريت تاتشر، وجوليا تشايلد، وعشرات النساء اللواتي منحتهن الحياة من جديد.في عامها السابع والسبعين، لا تبدو ستريب مجرد ممثلة تحمل الرقم القياسي في ترشيحات الأوسكار بـ21 ترشيحاً وثلاث جوائز، بل تبدو حالة فنية استثنائية يصعب تكرارها في تاريخ السينما العالمية. فقد تحولت على مدار نصف قرن إلى معيار تُقاس عليه الموهبة التمثيلية نفسها، حتى بات النقاد في هوليوود يطلقون عليها لقب “الممثلة التي تستطيع فعل أي شيء”.لكن المفارقة أن هذه الأسطورة لم تبدأ حلمها من المسرح أو السينما، بل من الموسيقى. منذ طفولتها تلقت تدريباً جاداً على الغناء الأوبرالي، وكان أساتذتها يعتقدون أن مستقبلها سيكون في عالم الموسيقى الكلاسيكية. غير أن ميريل اكتشفت مبكراً أن الغناء يمنحها صوتاً واحداً فقط، بينما التمثيل يمنحها عشرات الأصوات والحيوات المختلفة. لذلك انتقلت إلى دراسة الدراما في كلية فاسار ثم مدرسة ييل الشهيرة للفنون المسرحية، حيث كانت تؤدي أحياناً أدواراً عدة في الأسبوع الواحد، وهو تدريب قاسٍ أسهم لاحقاً في قدرتها الخارقة على التحول بين الشخصيات.ومن المعلومات التي لا يعرفها كثيرون أن ميريل ستريب كادت ألا تصبح ممثلة من الأساس. ففي سنوات الشباب فكرت جدياً في دراسة القانون، لكنها فوتت موعد مقابلة القبول بعد أن استغرقت في النوم، لتجد نفسها تواصل طريقها نحو التمثيل. تبدو الحكاية طريفة اليوم، لكن التاريخ السينمائي ربما كان سيفقد إحدى أعظم ممثلاته بسبب منبه لم يرن في موعده.عندما نتأمل مسيرة ستريب، نكتشف أن سرها الحقيقي لا يكمن في تقمص الشخصيات فقط، بل في فهمها العميق للبشر. إنها ممثلة لا تبحث عن الانفعال الظاهر، بل عن الطبقات الخفية داخل الشخصية. لهذا كانت دائماً سيدة التفاصيل الصغيرة، (حركة الأصابع، طريقة التنفس، الإيقاع الخاص للكلام، واللحظات الصامتة التي تكشف ما لا تستطيع الحوارات قوله).ويكفي أن نتذكر أداءها في فيلم (كرامر ضد كرامر ـ Kramer vs. Kramer)، الذي منحها أول أوسكار. في هذا الفيلم لم تقدم أماً تهجر عائلتها كما كان يمكن للنص أن يصورها، بل دافعت بنفسها عن إعادة كتابة أجزاء من الشخصية حتى تصبح أكثر تعقيداً وإنسانية، وهو ما جعل الفيلم يتحول من قصة طلاق تقليدية إلى دراسة مؤلمة عن الاستقلال والاختيارات المستحيلة.ثم جاء دورها في فيلم (اختيار صوفي، Sophie’s Choice)، الذي يعتبره كثيرون أعظم أداء تمثيلي نسائي في تاريخ السينما الحديثة. لم تكتفِ ستريب بإتقان اللكنة البولندية، بل تعلمت اللغة البولندية والألمانية من أجل الدور، وأصرت على خوض مغامرة نفسية شديدة القسوة لتجسيد ناجية من المحرقة تحمل جرحاً لا يندمل. والأكثر إدهاشاً أن المشهد الأشهر في الفيلم، مشهد الاختيار المأساوي، صُوّر في لقطة واحدة تقريباً بسبب الثقل العاطفي الهائل الذي حملته التجربة بالنسبة إليها.غير أن اختزال ميريل ستريب في الدراما فقط يعد ظلماً كبيراً لمسيرتها. فالكثيرون ينسون أنها واحدة من أفضل الممثلات الكوميديات في تاريخ هوليوود. في أفلام (الموت أصبح لها، وماما ميا!، والشيطان يرتدي برادا)، أثبتت أن الكوميديا ليست نقيضاً للموهبة الدرامية، بل امتداد لها. وفي شخصية ميراندا بريستلي تحديداً في الفيلم الشهير “الشيطان يرتدي برادا”، صنعت درساً تمثيلياً نادراً، إذ حولت شخصية كان يمكن أن تبدو كاريكاتورية إلى امرأة مخيفة وهشة في آن واحد. والمثير أن المونولوج الشهير حول اللون الأزرق السماوي في الفيلم كان من الأفكار التي ساهمت ستريب في تطويرها أثناء العمل.سينمائياً، يمكن النظر إلى ميريل ستريب باعتبارها آخر ممثلات المدرسة الكلاسيكية الكبرى في هوليوود. فهي تمتلك انضباط ممثلي المسرح، وذكاء ممثلي السينما الحديثة، وقدرة نادرة على التلون اللغوي والثقافي. لقد جسدت شخصيات أمريكية وبريطانية وأسترالية وبولندية ودنماركية، وأتقنت لهجات متعددة إلى درجة دفعت بعض النقاد للقول إن موهبتها الحقيقية ليست التمثيل بل “إعادة اختراع الهوية”.ومع ذلك، فإن أعظم إنجازاتها ربما لا يتمثل في الجوائز أو الأرقام القياسية، بل في أنها غيرت نظرة السينما إلى المرأة. قدمت شخصيات نسائية معقدة، قوية وضعيفة في الوقت نفسه، ناجحة ومهزومة، ملهمة ومتناقضة، ورفضت أن تكون المرأة مجرد عنصر مكمل في الحكاية، وجعلتها مركز الحكاية نفسها.وربما لهذا السبب بقيت حاضرة ومؤثرة عبر أجيال مختلفة. فبينما صعدت نجمات كثيرات واختفين، ظلت ميريل ستريب قادرة على تجديد نفسها باستمرار. لم تتوقف عند نجاح معين، ولم تسمح لصورتها أن تتحول إلى قيد فني.بعد 77 عاماً من الحياة، ونحو خمسة عقود من العمل المتواصل، تبدو ميريل ستريب وكأنها تجاوزت مرحلة النجومية إلى مرتبة نادرة من الخلود الفني. ليست مجرد ممثلة عظيمة، بل مرآة للإنسان في ضعفه وقوته وتناقضاته.ولهذا ربما يبقى سرها الأكبر أنها لم تحاول يوماً أن تكون أسطورة، كانت فقط تحاول أن تفهم البشر، فصارت أعظم من جسّدهم على الشاشة. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم