موديلياني الفنان العميق حتى الروح في انشغلاته التشكيلية

موديلياني… الرسام الذي كان يبحث عن الروح في العيون
أميرة ناجي / بغداد

الفن ليس تسجيلًا لما نراه بل كشفٌ لما لا يُرى.

قد لا تكون هذه العبارة من أقوال أميديو موديلياني نفسها لكنها تلخص جوهر تجربته الفنية التي جعلت من العين نافذة للروح ومن الوجه خريطة للمشاعر ومن الجسد لغةً تتجاوز حدود الشكل. لم يكن موديلياني رسامًا يبحث عن الجمال التقليدي بل كان يبحث عن الإنسان المختبئ خلف ملامحه ولذلك بقيت لوحاته حتى اليوم من أكثر الأعمال الفنية قدرة على إثارة التأمل والأسئلة.

ولد الفنان الإيطالي أميديو موديلياني عام 1884 في مدينة ليفورنو وسط أسرة عانت ضائقة مالية متواصلة وكانت والدته امرأة مثقفة لكنها عاشت سنوات طويلة من المرض والاكتئاب وهو ما ترك أثرًا عميقًا في شخصية الطفل الذي اعتاد مراقبة الوجوه بصمت والبحث في العيون عن أسرار لا تُقال. منذ سنواته الأولى وجد في الرسم ملاذًا من قسوة الواقع ووسيلة لفهم العالم أكثر مما كان وسيلة لتسجيله.

عندما انتقل إلى باريس مطلع القرن العشرين وجد نفسه في قلب الحركة الفنية الحديثة لكنه لم ينجرف وراء التكعيبية أو التجريد الكامل بل اختار طريقًا خاصًا به جمع بين الرهافة الإيطالية وتأثيرات النحت الإفريقي والبدائية الحديثة ليبتكر لغة تشكيلية لا تشبه سواه. استطاع أن يجعل الرقاب طويلة والوجوه بيضوية والأنوف مستقيمة والملامح هادئة بينما ظلت العيون أكثر عناصره إثارة للدهشة إذ رسم كثيرًا من شخصياته بعيون فارغة أو بلا بؤبؤ وكأنها تنظر إلى عالم آخر.

وكان يردد أن العين لا تُرسم قبل أن يعرف روح صاحبها ولذلك لم يكن غياب تفاصيل العين نقصًا في اللوحة بل كان تعبيرًا عن أن الروح ما زالت عصية على الاكتشاف. هذه الفلسفة منحت أعماله بعدًا نفسيًا عميقًا وجعلت كل وجه يبدو وكأنه يحمل قصة كاملة من الصمت والألم والحنين.

في عام 1914 التقى الشاعرة الجنوب إفريقية بياتريس هاستنغز التي كانت شخصية قوية وحادة الطباع. عاشت معه علاقة مضطربة امتلأت بالحب والصدام حتى أصبحت جزءًا من تكوينه الإنساني والفني. انعكست تلك العلاقة في العديد من لوحاته التي لم تكن مجرد بورتريهات بل دراسات نفسية معقدة لامرأة يصعب احتواؤها. كان يرسمها مرات عديدة لكنه لم يمنح عينيها اكتمالهما البصري وكأنه كان يعترف بأن أعماق الإنسان تبقى أبعد من أن تُختزل بضربات فرشاة.

ثم جاءت جان هيبوتيرن لتصبح أكثر من حبيبة فقد كانت سكينته الأخيرة. التقاها عام 1917 وكانت طالبة فنون شابة آمنت بموهبته في وقت كان يعيش الفقر والمرض والتهميش. أحبته بإخلاص رغم اعتراض أسرتها على علاقتهما وعاشت معه سنوات قاسية تقاسما خلالها الجوع والبرد والحلم. رسمها عشرات المرات حتى أصبحت وجهها أحد أشهر الوجوه في تاريخ الفن الحديث. لم يكن يرسم ملامحها وحدها بل كان يرسم حضوره الداخلي فيها ولذلك تبدو لوحاتها مشبعة بالهدوء والحزن معًا.

على المستوى التقني اعتمد موديلياني على تبسيط الشكل من دون أن يفقده إنسانيته. خطوطه انسيابية وألوانه دافئة يغلب عليها البني والأحمر والأزرق الترابي مع مساحات لونية هادئة تخلو من الزخرفة المفرطة. تأثر بالنحت خلال سنوات عمله الأولى لذلك تبدو وجوهه وكأنها منحوتة من الحجر المصقول أكثر مما هي مرسومة على القماش. كما استفاد من الأقنعة الإفريقية التي منحته القدرة على اختزال التفاصيل مع الاحتفاظ بالقوة التعبيرية.

أما لوحاته العارية فقد أثارت جدلًا واسعًا عند عرضها لأول مرة لأنها قدمت الجسد الإنساني بجرأة غير مألوفة في ذلك الزمن. لكنها لم تكن دعوة للإثارة بقدر ما كانت احتفاءً بكرامة الجسد وجماله الطبيعي بعيدًا عن التجميل الأكاديمي أو الرمزية التقليدية.

في السنوات الأخيرة من حياته اشتد عليه مرض السل حتى أصبح الرسم فعل مقاومة للموت أكثر من كونه ممارسة فنية. وفي يناير عام 1920 رحل عن عمر لم يتجاوز الخامسة والثلاثين. وفي اليوم التالي أنهت جان هيبوتيرن حياتها وهي حامل بطفلهما الثاني في واحدة من أكثر النهايات مأساوية في تاريخ الفن الأوروبي.

بعد رحيله فتح مرسمه ليُكتشف أكثر من أربعمئة عمل فني بين لوحات ورسوم. وما كان يُباع بثمن زهيد في حياته أصبح لاحقًا من أثمن الأعمال في المزادات العالمية إذ حققت لوحاته أرقامًا قياسية جعلته أحد أكثر الفنانين تأثيرًا في القرن العشرين.

إن قيمة موديلياني لا تكمن في أسلوبه الشكلي وحده بل في قدرته على تحويل البورتريه إلى سيرة إنسانية. لم يكن يرسم ملامح الأشخاص كما هي بل كما يشعر بها. ولهذا بقيت وجوهه رغم هدوئها تحمل قلقًا داخليًا لا يشيخ وتدفع المتلقي إلى التساؤل عما تخفيه تلك العيون التي تبدو أحيانًا بلا نظرة لكنها في الحقيقة تنظر إلى أعماقنا نحن.

لقد أثبت موديلياني أن الفن لا يُقاس بطول العمر ولا بعدد المعارض بل بقدرته على البقاء حيًا في ذاكرة الإنسانية.

وبعد أكثر من قرن ما زالت وجوهه الطويلة وأعينه الغامضة تذكرنا بأن أعظم اللوحات ليست تلك التي تشبه الواقع بل تلك التي تكشف الحقيقة المختبئة خلفه.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم