مهن في دمشق ،اندثرت وطواها النسيان.

مهن دمشقية طواها الزمن
في زحمة الحداثة وتسارع الخطى، غابت عن شوارع دمشق القديمة أصواتٌ ومناديات كانت يوماً نبض الحارات وإيقاع الحياة اليومية. مهنٌ عتيقة حملها رجال ونساء بطيبوبة وبساطة، وارتبطت بذاكرة المدينة ووجدان أهلها. ماتت هذه المهن بهدوء، لكن عبقها ما زال يفوح في الأمثال الشعبية والحكايات التي يتناقلها كبار السن. هنا نستعرض أربع عشرة مهنة دمشقية أصيلة، رحلت إلى غير رجعة.

السقّا
كان يجوب الأزقة فجراً وعند المغيب، يحمل على ظهره قربة من جلد الماعز، يسقي الشوارع والحدائق ويوصل الماء للجوامع والبيوت. غاب بصمت مع وصول ماء عين الفيجة إلى كل دار مطلع عهد الانتداب.

المبيّض
يجول في الحارات منادياً، فتخرج له النسوة أوانيهن النحاسية. يفركها بالملح والرمل، ثم يسخنها على النار ويطليها بالقصدير بحركة ماهرة من خاصرته. آخر مبيض حقيقي شوهد قبل نحو خمس عشرة سنة في حي الشعلان.

الطرابيشي
صانع الطرابيش ومصلح ما اعوجّ منها، يصنع هيكلها من الخوص ويلبسه الجوخ على قالب نحاسي، ثم يكويه ويثبّت الزر في قمته. تلاشت المهنة مطلع السبعينات، يوم خلع الدمشقيون طرابيشهم تماشياً مع رياح التغيير.

الداية
القابلة التي تستقبل المواليد الجدد، تقطع الحبل السري وتلتقط أنفاس الطفل الأولى. سيدة حكيمة لا تحمل شهادة ولا تستعمل أداة طبية، لكنها حملت أسرار البيوت وكانت موضع ثقة الحارات.

الندّابة
امرأة تُستأجر بصوتها الحزين، تندب الميت قبيل خروج الجنازة وبعده، تملأ الأزقة رنيناً يثير شجن المارّة ويشارك العائلة أحزانها.

الملقّن
جليس خشبة المسرح في “الكبوشية”، ممسكاً النص بيده، يتابع الممثلين بعين صقر، وصوته الخافت يذكّر من نسوا حوارهم. من هنا بدأ عمالقة الفن، أمثال رفيق سبيعي وأيمن زيدان.

المصوراتي
يحمل كاميراه العتيقة وغطاءها الأسود، يطوف الشوارع مصوّراً المارة، ويسلمهم صورهم على الرصيف. عرفه الناس باسم استوديو “بحبش”.

الكركوزاتي
حكواتي الظلال، يحرك عرائسه الورقية خلف ستارة بيضاء بأصابع سريعة، ويقلّب الأصوات بين كركوز وعواظ، في عروض تمزج السياسة بالفكاهة على مقاعد المقاهي.

الدومري
من كلمة تركية تعني “الفوانيسي”، يوقد القناديل في الأزقة والجوامع مع غروب الشمس، حاملاً النور إلى قلب الحارات العتيقة.

المخرّز
يهودي دمشقي يجول بأدواته، يصلح أواني “الصيني” المكسورة بالخرز، يجمع القطع بخيط وسلسلة تمسكها، فيخرج الإناء مشوّهاً لكنه يعود صالحاً للاستعمال.

اليهودي العتيق
بائع متجول ينادي في الأزقة: “يللي عنده تخوتة، يللي عندو لحوفة”، يشتري الألبسة والمفروشات القديمة أو يقايضها بصحن أو كأس.

الدقّاق
منهم من كان ينفش الصوف، ومنهم من يدق الخيط على اللحف والصايات، فيعيد إليها طراوتها ورونقها بدقة وإتقان.

البيطار
مُركّب نعل الخيل ومثبّت الحدوات، حرفي ماهر خفت صوته مع قرقعة محركات السيارات التي غزت الشوارع منتصف القرن العشرين.

الطرّابة
بائع التراب المتمركز عند باب السلام، يحمّله على الحمير ليكون عصب البناء والعمران. من هنا ولد المثل الشعبي: “رايح جاي مثل حمير الطرابة”.

رحلت هذه المهن كما ترحل الفصول، لكنها تركت خلفها حكايات وأمثالاً ظلت عالقة في ذاكرة دمشق وهويتها. غابت الأيادي التي أتقنتها، وسكتت الأصوات التي نادت بها، لكن الحنين إليها يبقى شاهداً على زمن كان فيه للتفاصيل الصغيرة طعم الحياة، وللصنعة العتيقة روح لا تموت.
المصدر:صفحة الدكتور جوزيف زيتون
التحرير:#سوريات_souriat#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم