حين يصبح الفكر سجينًا وأحاديا…
من مصائب الفكر أن يكون منغلقًا وأحاديًا؛ لأن العقل الذي لا يرى إلا من نافذة واحدة، سرعان ما يظن أن العالم كله هو المشهد الذي تراه تلك النافذة. ومن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن تتحول الفكرة عنده من وسيلة لفهم الحياة إلى قفص يسجن فيه نفسه، ثم يبدأ بالنظر إلى كل ما هو خارج القفص بعين الشك والرفض والعداء.
حين نشأ جيلنا، كنا نقرأ كل شيء تقريبًا. كنا ننتقل من السياسة إلى الدين، ومن التاريخ إلى الأدب، ومن الفلسفة إلى العلوم، ومن الفيزياء والكيمياء إلى الفن والجغرافيا. لم تكن القراءة عندنا بحثًا عن إجابة واحدة نريد إثباتها، وإنما كانت رحلة لاكتشاف العالم.
وكانت مجلة «العربي» الكويتية بالنسبة إلى كثير منا مدرسة مفتوحة الأبواب؛ فيها العلم والأدب، والتاريخ والجغرافيا، والفن والسياسة، وتحقيقات عن الشعوب والحضارات، وأحاديث عن العلماء والمبدعين. كانت توسع أفق القارئ بدل أن تحشره في زاوية ضيقة، وتقول له بطريقة غير مباشرة: إن العالم أكبر من كتاب واحد، وأوسع من رأي واحد، وأرحب من جماعة واحدة.
وكان من الطبيعي أن يختلف الإنسان بعد كل قراءة عما كان عليه قبلها؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تملأ الرأس بالمعلومات فحسب، وإنما تفتح فيه نوافذ جديدة.
ثم جاءت أجيال أخذ بعضها طريقًا آخر؛ فأصبح كثير من الشباب لا يقرأ إلا في مجال واحد، وأحيانًا داخل اتجاه واحد من ذلك المجال. فبعضهم حصر قراءته في الكتب الدينية، وهذا في ذاته ليس عيبًا، فالدين علم جليل ومجال معرفي عظيم، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح القراءة الدينية نفسها أحادية، فيقرأ الإنسان من داخل مدرسة واحدة، ويظن أن ما قرأه هو الدين كله، وأن ما عداه باطل كله.
وهنا يتحول الاختلاف العلمي إلى خصومة، والمذهب إلى هوية صدامية، والاجتهاد إلى معركة، والتاريخ إلى ساحة لتصفية الحسابات.
المشكلة ليست في أن يكون للإنسان رأي ديني أو فكري ينتمي إليه، وإنما في أن يعتقد أن امتلاكه جزءًا من الحقيقة يعني امتلاكه الحقيقة كلها. فالعقل الناضج يستطيع أن يقول: “هذا رأيي” دون أن يقفز مباشرة إلى “ومن خالفني فهو جاهل أو ضال أو عدو”.
والأخطر من ذلك أن الإنسان الذي لا يقرأ إلا ما يؤيد أفكاره، يصبح مع مرور الوقت عاجزًا عن رؤية أفكاره من الخارج. فهو لا يدخل الكتاب باحثًا عن المعرفة، بل يدخل إليه باحثًا عن الأدلة التي تؤكد ما يعتقده مسبقًا. وهكذا تتحول القراءة من اكتشاف إلى انتقاء، ومن معرفة إلى تعبئة.
وهذا النوع من القراءة يصنع إنسانًا يعرف كثيرًا عن الخلاف، وقليلًا عن الحياة.
يعرف من قال ماذا في مسألة فقهية، ومن رد على من، ومن صحح رواية ومن ضعّفها، ومن انتصر في معركة كلامية قبل ألف عام؛ لكنه قد لا يعرف شيئًا عن تاريخ العلوم، أو تطور المجتمعات، أو علم النفس، أو الاقتصاد، أو الأدب، أو الفنون، أو طبيعة الإنسان الذي يعيش معه تحت سقف واحد.
فتراه قادرًا على الدخول في جدال طويل حول قضية تراثية، لكنه عاجز عن فهم ابنه؛ يحفظ عشرات الآراء في مسألة قديمة، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع إنسان مختلف عنه في التفكير؛ يعرف تفاصيل خلافات القدماء، لكنه لا يعرف شيئًا عن العالم الذي يتغير أمام عينيه كل يوم.
وهنا تقع الكارثة: أن يصبح الإنسان مثقفًا في الخلاف، جاهلًا بالحياة.
ولعل التطرف والغلو لا يولدان من التدين وحده، بل من ضيق الأفق المعرفي حين يقترن باليقين المغلق. فالإنسان الذي يتعلم أن هناك تفسيرًا واحدًا فقط، ورأيًا واحدًا فقط، وطريقًا واحدًا فقط، يصبح أكثر استعدادًا لرفض الآخر، وربما لإقصائه. أما الإنسان الذي قرأ التاريخ، فسيدرك أن الأفكار تتغير، وأن الأمم اختلفت، وأن العلماء أنفسهم اختلفوا، وأن البشرية لم تتقدم إلا لأنها تعلمت أن تجعل الاختلاف وسيلة للفهم لا سببًا للكراهية.
ليس المطلوب أن نربي أبناءنا على الشك في كل شيء، ولا أن نجعلهم بلا مرجعية أو قناعة. المطلوب أن نمنحهم عقلًا واسعًا قادرًا على الجمع بين الإيمان والمعرفة، وبين الاعتقاد والحوار، وبين الثبات على المبادئ واحترام المختلف.
علموا أبناءكم الدين، نعم؛ لكن اقرؤوامعهم شيئا من التاريخ أيضًا. علموهم كذلك كيف يفكرون. افتحوا لهم كتب الفقه، ولكن افتحوا معها كتب الأدب والفلسفة والعلوم والاجتماع. حدثوهم عن السيرة، ولكن حدثوهم أيضًا عن الحضارات التي قامت وسقطت، وعن العلماء الذين غيروا وجه العالم، وعن الشعراء والفنانين والمفكرين الذين وسعوا مفهوم الإنسان.
فالذي يقرأ الأدب يتعلم أن الإنسان أعمق من حكم سريع، والذي يقرأ التاريخ يتعلم أن الأمم لا تسير في خط مستقيم، والذي يقرأ الفلسفة يتعلم السؤال، والذي يقرأ العلوم يتعلم الدليل، والذي يقرأ الفنون يتعلم أن للجمال وجوهًا متعددة، والذي يقرأ الأديان بوعي يتعلم أن العلاقة مع المقدس تحتاج إلى علم وبصيرة ومسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بعقول أبنائنا أن نعطيها إجابة قبل أن نعلمها كيف تسأل.
نحن لا نحتاج إلى جيل يحفظ أكثر مما يفكر، ولا إلى جيل يعرف كيف ينتصر في الجدال بقدر ما نحتاج إلى جيل يعرف كيف يفهم. نحتاج إلى إنسان يستطيع أن يختلف دون أن يكره، ويناقش دون أن يشتم، ويؤمن دون أن يحتقر، ويتمسك بمعتقده دون أن ينكر حق الآخرين في أن تكون لهم قناعاتهم.
لقد كانت مجلة العربي بالنسبة إلى جيلنا أكثر من مجلة؛ كانت نافذة على عالم واسع. وربما كان أجمل ما علمتنا إياه، من حيث لا نشعر، أن المعرفة لا وطن ضيقًا لها، وأن العقل لا ينبغي أن يعيش في غرفة واحدة من بيت كبير اسمه الحياة.
فالفكر الذي لا يقرأ إلا نفسه ينتهي إلى عبادة نفسه، والفكر الذي يخاف من الكتاب المختلف ينتهي إلى الخوف من الإنسان المختلف، والفكر الذي لا يحتمل سؤالًا صغيرًا قد ينتهي إلى صناعة يقين كبير لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.
ولذلك فإن معركة المستقبل ليست فقط في أن نجعل أبناءنا أكثر تدينًا أو أكثر علمًا، وإنما أن نجعلهم أكثر إنسانية واتساعًا وقدرة على التفكير.
فالعقل المفتوح لا يعني عقلًا بلا مبادئ، كما أن الاعتدال لا يعني التنازل عن الإيمان؛ بل يعني أن يعرف الإنسان الفرق بين قناعته التي يؤمن بها، والحقيقة التي لا يملكها وحده.
وهذه، في ظني، واحدة من أهم دروس القراءة: أن تخرج من الكتاب وأنت أكثر تواضعًا، لا أكثر غرورًا؛ وأكثر فهمًا للناس، لا أكثر كراهية لهم؛ وأن تكتشف في نهاية الطريق أن العالم لم يُخلق ليكون نسخة واحدة من أفكارك.


