مدهش كيف يحوّل ميكايل هيرس المأساة إلى لحظة من العذوبة الخالصة. عند تناول هذا الفيلم، لي رغبة في الحديث عن ذلك الإيمان العميق بالإنسان؛ الإيمان الذي تعجز أعنف قوى العالم عن تحطيمه. فأيّ جمال هذا الذي يسمح لكل هذا التسامح والرهافة والشغف بالحياة أن ينبثق من هجمات تشرين الثاني 2015 في باريس؟ ومن أين يأتي كل هذا الضوء ليتم اخراجنا من قلب العتمة؟ كيف لفيلم عن الفقدان والحداد أن يتحوّل إلى نشيد للحياة؟ تلك كانت الأسئلة الأولى التي راودتني فور خروجي من الصالة: سعيداً وحزيناً في الوقت نفسه. ومن خلال هذا السموّ بالتراجيديا، بدا لي أن هيرس لا يسعى فقط إلى إنقاذ أرواح شخصياته، وإنما إلى إنقاذ روحه هو أيضاً، وربما روحنا معها. فهو يرفض منطق المعاملة بالمثل، ويقاوم فخ ”سينما تصفية الحسابات“ التي غالباً ما تستسلم لها الأعمال التي تتناول العنف والضغينة. هذا الموقف ليس جديداً على هيرس، ولكنه ينهض على صفاء فكري وأخلاقي يميّز مجمل تجربته.
الد.ماء التي سالت يومذاك لا تبلغ عتبة الفيلم. صحيح أن الإر.اب يخطف في مستهله شقيقة الشخصية الرئيسية، دافيد (فنسان لاكوست)، ويسرق معه جزءاً من حياته، فيجد نفسه، على الرغم من حداثة سنّه، مسؤولاً عن ابنة شقيقته الصغيرة أماندا (إيزور مولترييه). إلا أن أحداً لا ينجح في انتزاع قدرة الفيلم على الحبّ. لا نرى الرعب مباشرة، كل ما نراه سيارات إسعاف تعبر الشوارع وصفاراتها تشقّ الصمت، فيما تبقى المأساة حاضرة بآثارها الإنسانية بدلاً من مشاهدها الصادمة. بين لحظة وأخرى، يكبر دافيد أعواماً كاملة. والفيلم يلتقط هذه النقلة الوجودية بدقّة. كيف لشاب لا يشغله سوى إغواء جارته والاستمتاع بخفّة أيامه، أن يتحوّل فجأة إلى إنسان يحمل على كتفيه عبء المسؤولية؟ بهذا المعنى، ”أماندا“ هو فيلم دافيد أيضاً، وكان يمكن بسهولة أن يحمل اسمه. لكنه يفضّل أن يوجّه نظره نحو المستقبل، نحو الطفلة التي تمثّل استمرار الحياة رغم كلّ شيء.
سينما هيرس مشبّعة بالعاطفة من دون أن تبتز عواطفنا. باطنية متحرّرة من خطابها التقليدي. باريس، المدينة الجريحة، تتحوّل هنا إلى شخصية كاملة الأبعاد. يلتقط هيرس ضوءها بحساسية استثنائية: شمسها الدافئة المنسكبة على الأزقة والحدائق، فيما يجوب دافيد شوارعها على دراجته. ومن هذا الضوء تحديداً يتولّد ذلك التناقض بين دفء العالم الخارجي وبرودة الأرواح المحمّلة بالفقدان.
#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.


