المناهج النقدية: المفهوم والتحولات والوظائف
مقدمةتُعدّ المناهج النقدية من أبرز الأدوات التي طوّرها الفكر الأدبي من أجل مقاربة النصوص وفهم بنياتها ودلالاتها وآليات اشتغالها. فالنص الأدبي ليس بنية مغلقة على نفسها، بل هو فضاء تتقاطع فيه اللغة والجماليات والثقافة والتاريخ والمجتمع والنفس والرموز. ومن هنا تعددت المناهج النقدية بتعدد الأسئلة التي يطرحها النص وتنوع الزوايا التي يمكن النظر من خلالها إليه.ولا يعني تعدد المناهج أن أحدها يلغي الآخر، بل يكشف عن تعدد مستويات النص الأدبي، إذ يمكن للنص الواحد أن يُقرأ قراءة تاريخية أو اجتماعية أو نفسية أو بنيوية أو سيميائية أو تداولية، فتنتج عن كل قراءة معرفة مخصوصة بجانب من جوانبه.أولاً: مفهوم المنهج النقديالمنهج النقدي هو مجموعة من المبادئ والإجراءات والمفاهيم التي يعتمدها الناقد في تحليل النص الأدبي وتأويله والكشف عن آلياته الجمالية والدلالية. والمنهج، بهذا المعنى، ليس مجرد مجموعة من المصطلحات، وإنما هو طريقة في التفكير وتنظيم الأسئلة التي يوجهها الناقد إلى النص.وقد ارتبط تطور المناهج النقدية بتطور العلوم الإنسانية والفلسفة واللسانيات وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، ولذلك انتقل النقد الأدبي من التركيز على المؤلف والظروف المحيطة بالنص إلى الاهتمام بالنص ذاته، ثم إلى القارئ والسياق والثقافة وآليات إنتاج المعنى.ثانياً: المنهج التاريخييربط المنهج التاريخي النص الأدبي بالظروف التاريخية التي أنتجته، فيبحث في العصر الذي ظهر فيه النص، والظروف السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي أحاطت بالمؤلف.ويفترض هذا المنهج أن الأدب لا ينشأ في فراغ، وإنما يتفاعل مع واقعه التاريخي. ولذلك يهتم الناقد بالسيرة والبيئة والمرحلة التاريخية، محاولاً تفسير بعض خصائص العمل الأدبي في ضوء سياقه.ومع ذلك، فإن الاقتصار على الظروف الخارجية قد يؤدي إلى إهمال خصوصية النص الفنية، وهو ما دفع المناهج اللاحقة إلى إعادة الاعتبار للبنية الداخلية للعمل الأدبي.ثالثاً: المنهج الاجتماعيينظر المنهج الاجتماعي إلى الأدب باعتباره ظاهرة مرتبطة بالمجتمع، فيدرس علاقة النص بالبنية الاجتماعية والقيم والأفكار والصراعات الطبقية والثقافية.وقد ارتبط هذا الاتجاه بالنقد الماركسي، الذي اهتم بالعلاقة بين الأدب والبنية الاقتصادية والاجتماعية، كما ارتبط بأعمال نقاد اهتموا بمفهوم الرؤية إلى العالم وعلاقة الإبداع بالطبقات الاجتماعية.ولا يكتفي المنهج الاجتماعي بالسؤال: «ماذا يقول النص؟»، بل يسأل أيضاً: «أي مجتمع يتحدث من خلاله النص؟ وما القيم والصراعات التي يعكسها أو ينتقدها؟».رابعاً: المنهج النفسيينطلق المنهج النفسي من العلاقة بين الأدب والحياة النفسية، فيبحث في شخصية المؤلف أو الشخصيات الأدبية أو البنية النفسية المتضمنة في العمل.وقد استفاد هذا المنهج من التحليل النفسي، خصوصاً من مفاهيم فرويد ويونغ ولاكان، فصار يهتم باللاوعي والرغبة والكبت والحلم والرمز والصراع النفسي.غير أن النقد النفسي الحديث لم يعد يختزل النص في مرض المؤلف أو حياته الخاصة، بل أصبح يهتم بكيفية تشكل الرغبة واللاوعي والرموز داخل الخطاب الأدبي نفسه.خامساً: المنهج البنيويشكّل البنيوية تحولاً مهماً في تاريخ النقد الحديث؛ إذ نقلت مركز الاهتمام من المؤلف وسيرته إلى النص وبنيته الداخلية.وقد استفادت البنيوية من اللسانيات الحديثة، ولا سيما تصورات فرديناند دو سوسير حول اللغة بوصفها نظاماً من العلاقات. ومن ثم أصبح النص يُدرس باعتباره بنية تتكون من عناصر مترابطة، بحيث لا تكتسب العناصر قيمتها منفردة، وإنما من خلال موقعها وعلاقاتها داخل النظام.وفي السرد، مثلاً، اهتم البنيويون بدراسة الشخصيات والأحداث والزمن والفضاء ووجهة النظر والعلاقات التي تنتظم بينها، كما يظهر في أعمال رولان بارت وتزفيتان تودوروف وجيرار جنيت.سادساً: المنهج السيميائيتجاوزت السيميائيات حدود البنية المغلقة لتدرس النص باعتباره شبكة من العلامات. فالعمل الأدبي لا يتكون من كلمات وجمل فقط، بل من مجموعة من الرموز والإشارات والعلاقات الدلالية.ومن هذا المنظور يصبح اللون واللباس والمكان والحركة والشخصية والشيء عناصر قابلة للتأويل بوصفها علامات تساهم في إنتاج المعنى.وقد استفادت السيميائيات من التراث السوسيري ومن التصور البيرسي للعلامة، ثم تطورت في مجال الأدب والسرد على يد مجموعة من الباحثين الذين جعلوا النص فضاءً لتفاعل أنظمة متعددة من الدلالة.سابعاً: المنهج التفكيكيجاء التفكيك بوصفه اعتراضاً على التصورات التي تبحث عن بنية ثابتة أو معنى نهائي للنص. ويرتبط أساساً بفلسفة جاك دريدا، التي أعادت النظر في ثنائيات الفكر الغربي مثل الحضور والغياب، الكلام والكتابة، الأصل والفرع.ولا يعني التفكيك هدم النص، وإنما الكشف عن التوترات والتناقضات التي تجعل المعنى متحركاً وغير مستقر. ولذلك يبحث الناقد التفكيكي في ما يقوله النص وما يخفيه، وفي المساحات التي يتعارض فيها الخطاب مع نفسه.ثامناً: المنهج التداوليينظر المنهج التداولي إلى اللغة باعتبارها فعلاً تواصلياً مرتبطاً بالمتكلم والمخاطب والسياق والقصد.ومن هنا يهتم بتحليل أفعال الكلام، والاستلزام الحواري، والإشاريات، والحجاج، والافتراضات المسبقة، وغيرها من الظواهر التي تكشف أن المعنى لا ينتج من الكلمات وحدها، وإنما يتشكل أيضاً من السياق والمقام والقصد.وقد استفاد النقد الأدبي من التداوليات في دراسة الحوار والسرد والخطاب الحجاجي وعلاقة الشخصيات ببعضها وبالقارئ.تاسعاً: المنهج الثقافييتجاوز النقد الثقافي حدود الجماليات التقليدية ليدرس النص بوصفه خطاباً ثقافياً يكشف أنظمة السلطة والقيم والتمثيلات والأنساق المضمرة.فالنص الأدبي، وفق هذا التصور، قد يحمل أنساقاً ثقافية لا تظهر بصورة مباشرة، لكنها تتجسد في تمثيل المرأة والرجل والآخر والسلطة والمركز والهامش.ومن هنا أصبح النقد الثقافي مهتماً بما وراء البنية الجمالية للنص، أي بالأنساق الثقافية التي تنتجها اللغة والخطابات.عاشراً: المنهج المقارنيقوم المنهج المقارن على دراسة العلاقات بين الآداب والنصوص والثقافات المختلفة، من خلال البحث في التأثير والتأثر والتشابه والاختلاف والتحولات التي تطرأ على الموضوعات والأشكال الأدبية عند انتقالها من ثقافة إلى أخرى.ولا يقتصر الأدب المقارن على مقارنة نصين، بل يمكن أن يدرس انتقال فكرة أو صورة أو جنس أدبي أو تقنية سردية بين لغات وثقافات متعددة.حادي عشر: نحو التكامل بين المناهجأدى تعدد المناهج النقدية إلى ظهور الحاجة إلى مقاربة تكاملية لا تجعل النص أسيراً لمنهج واحد. فقد تكشف القراءة البنيوية عن بنية النص، بينما تكشف السيميائيات عن أنظمة علاماته، وتوضح التداوليات وظائف خطابه، ويكشف النقد الثقافي أنساقه المضمرة.وبذلك يمكن للناقد أن يستفيد من أكثر من منهج، شريطة ألا يتحول الجمع بين المناهج إلى مجرد تراكم للمصطلحات، بل ينبغي أن يكون لكل أداة وظيفتها داخل استراتيجية القراءة.خاتمةتكشف المناهج النقدية عن تطور الوعي بطبيعة الأدب وطرائق إنتاج المعنى. فقد انتقل النقد من البحث عن المؤلف وظروفه إلى دراسة النص وبنيته، ثم إلى القارئ والسياق والثقافة والخطابات والأنساق.ومن ثم لم يعد المنهج النقدي وصفة جاهزة تُطبَّق على النص، وإنما أصبح أداة إجرائية تتحدد قيمتها بقدرتها على إنتاج أسئلة جديدة والكشف عن مستويات خفية من الدلالة. وكلما كان الناقد أكثر وعياً بحدود منهجه وإمكاناته، استطاع أن يحول القراءة من مجرد تفسير للنص إلى فعل معرفي يعيد بناء معناه.مراجع – عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.- فرديناند دو سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة.- رولان بارت، مدخل إلى التحليل البنيوي للحكايات.- تزفيتان تودوروف، مقولات السرد الأدبي.- جيرار جنيت، خطاب الحكاية.- أمبرتو إيكو، نظرية السيميائيات.- جاك دريدا، في علم الكتابة.- ميشيل فوكو، أركيولوجيا المعرفة.- بيير بورديو، قواعد الفن.
#,السارد،#مجلة ايليت فوتو ارت.


