مقاربات نقدية لرواية “جنة الفلاسفة” للكاتب المغربي مصطفى لغتيري.

جنة الفلاسفة لمصطفى لغتيري: رحلة الجسد نحو فكرة الحرية

مقدمة: رواية لا تقرأ الفلسفة، بل تعيشها

صدرت رواية “جنة الفلاسفة” للروائي المغربي مصطفى لغتيري كامتداد طبيعي لمشروعه السردي الذي بدأه منذ “رجال وكلاب” 2007، مشروع يسأل: كيف تتحول الفكرة إلى حياة؟

الرواية تبدو في ظاهرها بسيطة: أستاذ فلسفة وتلميذته الفيلسوفة يقرران القيام برحلة إلى مكان ناءٍ يسميانه “جنة الفلاسفة” لاختبار الأفكار التي قرأاها في الكتب. لكن ما يبدأ كرحلة معرفية، ينتهي كرحلة تحرر. الرحلة التي انطلقت من الرغبة في اختبار المعرفة، كما يقول الناقد عبد الرحيم التدلاوي، تبلغ قمتها حين تكتشف الفيلسوفة أن الأفكار منذورة أساساً لأن تعاش لا لأن تقرأ وحسب، وأن الفلسفة كممارسة حياتية تنشد المتعة.

هذه الرواية هي الأكثر فلسفية عند لغتيري، والأكثر جسدية في نفس الوقت. وهذا التناقض الظاهري هو سرها.

أولاً: الحوار – مونولوغ متنكر في حوارين

أول ما يلفت في الرواية تقنية الحوار. يرى عبد الرحيم التدلاوي أن السارد العليم الذي يظهر عالماً بكل شيء، ليس في الحقيقة إلا الفيلسوفة نفسها متنكرة. هي التي خلقت شخصية الأستاذ وخلقت سارداً مجهولاً يسرد ما يجول بذهنها، حتى تربط الفكر بالتجربة بدل إبقاء الفلسفة في برجها العاجي.

وبناء على ذلك، فالرواية هي مونولوغ طويل تم تمويهه. الحوار فيها بشقين: داخلي وخارجي، وما الخارجي إلا تقنية لتكسير سطوة الداخلي.

الحوار الداخلي هو الأصل. يظهر في صفحات مثل 13 و14: “في دواخلها تتبرعم ابتسامة تزهر على شفتيها القرمزيتين، وكأنها تسخر من هواجسها” و “على حين غرة تسأل نفسها هل أنا حقاً سعيدة”. هذا حوار تجريه الفيلسوفة مع نفسها، وينقله السارد وكأنه على علم بما يجري بداخلها، لكن إعادة القراءة توضح أنه لم يكن إلاها تنظر إلى نفسها من خارجها. وفيه تستعيد ذاكرتها الثقافية طابور الفلاسفة الذين عالجوا موضوع السعادة، لتصل إلى نتيجتها: “السعادة إذن أن تفكر بحرية” ص15، وهي صياغة جديدة للكوجيطو الديكارتي.

أما الحوار الخارجي، فيأتي على شكلين. حوار قديم عبر رسائل نصية ص23 يتميز بالتوتر، يستعمل فيه الأستاذ الصوت والنبرة حين تعجزه الكلمات، وهي حيلة قديمة يلجأ لها الوعاظ. وحوار حاضر أثناء الرحلة ص33 و34 يتميز بالتركيز والاختزال وجمل قصيرة تتخللها إرشادات مسرحية عن ثبات خطو الفيلسوفة واضطراب الأستاذ وابتساماتهما. موضوعاته يفرضها المكان: البرد والنار، عبادة النار، الخرافة، الخوف، الطعام كوسيلة للتحكم.

بهذا يوظف لغتيري ما يسمى المشهد الحواري: يمزج الحوار بالسرد ويبطئ الحركة، يتوقف السارد ليفسح المجال للحوار المباشر ثم يعود. وهذا الحوار هو الذي يكشف افتتان الفيلسوفة بنفسها وبفكرها، واستقلاليتها ونزوعها التحرري: “هي فرصة لألملم أفكاري، وأصبح ما أريد أن أكون عليه لا ما يراد لي أن أكون” ص11.

ثانياً: المكون الرحلي – من اختبار الفكرة إلى اختبار الرغبة

يشغل لغتيري المكون الرحلي ليبين أثره في الشخصيات. الشخصيتان لم تعودا كما كانتا قبل الرحلة، صارتا مختلفتين بفعل التجارب.

ظاهر الرحلة هو اختبار المعرفة، وباطنها هو تحرير الرغبة. ويكشف ذلك فقرة طويلة محورية في ص66 تقول فيها الفيلسوفة بصوتها الخاص: “ترى ألم يكن كل ما حدث مفكراً فيه، ألم أكن مدفوعة برغبة لا واعية على الأقل، لأفعل ما فعلت، ألم يكن عقلي الباطني هو ما دفعني للتفكير في السباحة، وأن أتجرد من كل ملابسي دفعة واحدة… كان من الممكن أن أرتمي في الماء لفترة قصيرة وأغادره، لكنني مكثت هناك وكأنني مغيبة عن الوعي، أو قل إن شئت إنني بكامل وعيي انتظر حضوره، وكأن إيروس كان يوسوس لي من طرف خفي، أن امكثي هناك حتى يحدث أمر كان مفعولاً… رغم أنني أجزم أنني أبداً لا أفكر في إثارة الأستاذ، لكن مع ذلك أعجبني أن يرى جمالي سافراً، هكذا في هذا المكان المميز على ضفة البحيرة”.

هذه الفقرة هي اعتراف. البحيرة فاعل أساسي في تحقيق البغية، تستدعي السباحة، والسباحة تستدعي التجرد، وهو نوع من الستريبتيز مارسته الفيلسوفة عن قصد لتحريك هوى الأستاذ. هي تعمدت إخراج ما في نفسيهما من رغبات وبسطتها على أرض الواقع بغاية امتحانه. هو أيضاً كان يخفي هذه الرغبة، وأدركت بحدس الأنثى نيته غير المعلنة، ولجعله يخرجها من القوة إلى الفعل تعمدت اقتراح الرحلة، ظاهرها التغيير وامتحان الأفكار وباطنها الرغبة في التلاقي.

الفقرة تجمع بين المقدس والأسطوري: “حتى يحدث أمر كان مفعولاً” آية قرآنية، و”إيروس كان يوسوس لي” أسطورة إغريقية. جمعت بين الله والشيطان، بين المقدس والمدنس.

وهنا تظهر رمزية الماء. الماء في الرواية ثراء دلالي متعدد: هو الحياة والنماء وبداية جديدة، وهو التطهير والنقاء وغسل التردد، وهو اللاوعي والعواطف المخبأة، وهو المرونة والتكيف. الرحلة ذات الطابع الاستكشافي جعلت الماء مرآة للاوعي. اكتشاف البركة في الفصل السابع كان الفعل الذي غير مسار الرواية ورفع إيقاعها.

ثالثاً: الحجاج – كيف تقنع الرواية الفلسفية

إذا كانت الرواية والفلسفة تتناولان الأسئلة الكبرى كالحرية ومعنى الحياة، فإن الرواية تقنع بالخيال والفلسفة تقنع بالمنطق. “جنة الفلاسفة” واقعة في الوسط، وتحتاج إلى الحجاج.

وللحجاج فيها خمس أدوات:

الأولى الحجج المنطقية في حوارات الفيلسوفة والأستاذ، وهي حوارات تهدف إلى تنمية فكر الشخصيتين أو تعديله. الفيلسوفة تهدف إلى التخلص من سحر الأستاذ وسلطانه وبناء شخصيتها المتفردة لتؤكد أنها إنسانة حرة.

الثانية الحجج العاطفية في أجوبة الأستاذ وردود أفعاله، حين يستهدف مشاعر المخاطب باللغة التصويرية.

الثالثة توظيف الشخصيات نفسها كحجة. الفيلسوفة تواقة للحرية والاستقلالية، نموذج جاهز نقيس من خلاله سلوكنا.

الرابعة أسلوب السرد. وظف لغتيري ضمير المتكلم للتعبير عن وجهة نظر الفيلسوفة، وضمير الغائب بقوة لخلق مسافة، فتمكن من قراءة القضايا من جانبين لا ينفصلان.

الخامسة جماليات الحجاج في اللغة. استخدم تشبيهات تجعل النص الفلسفي جذاباً: أفكار الفيلسوفة كالجراد الصحراوي ص12، وتجمع الفلاسفة كتجمع للمتظاهرين ص14، والجبل كقطيع من الحيوانات ما قبل التاريخ ص32، والمساء كحطاب مسن ص68. هذا التنويع بين السرد والحوار والوصف يمنع الملل ويرطب أجواء الفلسفة الجافة.

بهذا يخلص الفلسفة من تجريديتها ويجعلها ملموسة في إطار حياتي.

رابعاً: الجسد – من الجسد المروض إلى الجسد الجنة

يلعب الجسد دوراً محورياً في الرواية، يشكل العنصر الأساس لتكوين الشخصية. من خلاله يتعرف الإنسان على ذاته وعلى العالم.

ينطلق عبد الرحيم التدلاوي في درايته للرواية من مفهومين: الجسد المروض والمطيع عند ميشيل فوكو، والجسد كقدر لا مفر منه عند ميشيلا مارزانو كما ينقلها رشيد العلوي. الجسد حاضر دائماً لا يمكن تجاهله، وهو ضحية الخطيئة والتأملات الفلسفية، وتأرجح بين المباح والممنوع، بين العاري والمستور، ومسرح للصراعات الأيديولوجية.

في الرواية يتداخل نوعان: جسد الطبيعة والجسد الأنثوي. تصبح الطبيعة امتداداً للجسد الأنثوي والعكس. لكن هناك تناقضاً مقصوداً بين الدعوة للفصل بينهما والتشديد على ارتباطهما حسب السياق.

تقدم الفيلسوفة تجربة شخصية فريدة: شعرت بمتعة اكتشاف جسدها بعد أن ظل ثانوياً ومنسياً بسبب انشغالها بالفكر، وتشبه جسدها بجنة تم اكتشافها من جديد. وهذا هو معنى العنوان.

رحلتها مع جسدها تلخصها ص81: “خلال فترة قصيرة اعتنقت كل الأفكار والمذاهب والملل والنحل، في فترة ما ارتدت الحجاب وكانت تدافع عنه بقوة، باعتباره شيئاً مقدساً، ثم فيما بعد انتقلت إلى الخمار، فخلق لها ذلك مشاكل عدة، ثم ما لبثت بعد قراءاتها أن أخذت تتمرد على ذلك، وشيئاً فشيئاً انقلبت إلى النقيض فتخلصت من الخمار، ثم فاجأت الجميع باستغنائها عن الحجاب كذلك، كانت تردد لست سلعة ولست ملكاً لأحد ليخبئني عن أعين الناس.. أنا إنسانة حرة”.

انتقلت من الخضوع إلى التمرد، ومن التبعية إلى الاستقلال، من التغطية التامة إلى التعرية التامة، على دفعات لكن بثبات، متأثرة بالفكر الوجودي الذي يدعو للاختيار ثم بفكر سيمون دي بوفوار والحركة النسوية التي ترى أن إرادة الحرية تحتم أن تمتلك المرأة جسدها.

وللتعبير عن العلاقة الحميمة دون ابتذال، وظف لغتيري مؤشرات ذكية: ثقافة المتلقي العربي التي تتوقع اللقاء الجسدي من خلوة الرجل بالمرأة، ونصب الخيمتين على شكل نهدين ناتئين، ومعجم يرتبط بحقل الجنس كمكان بكر وأحضان وفرج ومتعة، وحلم الأستاذ الذي كان مفتاحاً لكشف ما يخفيه كلاهما، حتى صار اللقاء الجسدي حتمياً ولو على مستوى الحلم.

خاتمة: التوازن بين الفكرة والجسد

تجتمع كل هذه المكونات لتكشف أن “جنة الفلاسفة” ليست رواية عن الفلسفة، بل رواية عن كيف نعيش الفلسفة. كما يقول سارتر: الإنسان ليس شيئاً آخر عدا مجموع أفعاله، إنه ليس إلا حياته، وعلينا أن نصير شعراء حيواتنا بتعبير نيتشه.

الفيلسوفة بدأت تلميذة تسترق السمع للأستاذ، ثم أصبحت تفكر بحرية، ثم اكتشفت أن التفكير الحر لا يكتمل إلا بامتلاك الجسد. الاهتمام بمكون على حساب آخر يقود إلى اللاتوازن. لهذا كانت لحظة التجلي في جنة الفلاسفة هي اللحظة التي تحقق فيها الإشباع المزدوج: إشباع الفكر وإشباع الجسد، بعد أن اكتملت دورة ارتوائه فما عاد مرتبكاً.

جنة الفلاسفة إذن ليست مكاناً جغرافياً، بل هي حالة وجودية: أن تفكر بحرية، وأن تمتلك جسدك، وأن تجد الماء الذي يخلص أرض المتعة الجرداء. وهي بهذا تقدم جواباً روائياً على سؤال فيصل دراج: الرواية شحاذ يمد يده إلى موائد المعرفة، يسأل التاريخ شيئاً وعلم النفس شيئاً، منتهية إلى جوهر الإنسان. وجوهر الإنسان عند لغتيري في هذه الرواية هو أن يكون حراً في فكره وحراً في جسده في نفس اللحظة.
عن AI

#مصطفى الغتيري#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم