بقلم : أحمد رشدي
لا يتحقق التقدم بخطوة عشوائية إلى الأمام، ولا تصنعه الرغبات وحدها مهما كانت صادقة، بل هو نتاج وعي جماعي يدرك أن لكل مرحلة مفاتيحها، ولكل تحدٍ أدواته، ولكل إنسان دورًا لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.
فالتقدم الحقيقي ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسار طويل يبدأ من الإنسان، ويمر بالأسرة، ويكتمل بالمجتمع حين تتكامل الأدوار وتتحد الغاية.
أول مفاتيح التقدم هو الفرد الواعي بذاته وبمسؤوليته.
فالفرد هو الوحدة الأساسية في أي بناء حضاري، وحين يمتلك وعيًا أخلاقيًا وفكريًا، يصبح عنصر دفع لا عبءًا على محيطه.
الالتزام، واحترام الوقت، وإتقان العمل، وتطوير المهارات، كلها ليست سلوكيات شخصية معزولة، بل روافد أساسية في نهر التقدم العام. فالأمم لا تتقدم بكثرة الموارد فقط، بل بجودة الإنسان القادر على إدارتها بعقل منضبط وضمير حي.
وتأتي الأسرة بوصفها المفتاح الثاني والأكثر تأثيرًا في تشكيل المستقبل. داخل الأسرة تتكون منظومة القيم الأولى، ويتعلم الإنسان معنى المسؤولية والانتماء، ويكتشف الفرق بين الحق والواجب. أسرة واعية تربي أبناءها على الحوار لا الإقصاء، وعلى الطموح لا الاتكالية، وعلى احترام الاختلاف لا الخوف منه، تضع المجتمع على أول درجات الاستقرار.
فالتقدم لا يولد في الشارع ولا في المؤسسات، بل يبدأ من البيوت حين تتحول التربية إلى مشروع وطني غير معلن.
أما المجتمع، فهو الإطار الذي يختبر فيه الفرد والأسرة صدق ما يحملانه من قيم.
المجتمع المتقدم هو الذي يفتح مسارات المشاركة، ويشجع المبادرة، ويكافئ الجهد، ويحتضن التنوع في إطار القانون. فيه تتكامل الأدوار بين الدولة والمواطن، وبين المؤسسات والأفراد، في علاقة تقوم على الثقة والمسؤولية المتبادلة. فغياب المشاركة الواعية يخلق فراغًا، والفراغ لا يملؤه إلا الفوضى أو التراجع.
ومن مفاتيح التقدم أيضًا الثقافة، بوصفها العقل الجمعي الذي يوجه السلوك العام. ثقافة تحترم العلم، وتقدّر العمل، وتؤمن بأن الاختلاف سنة لا تهديد، تصنع مجتمعًا قادرًا على التطور دون أن يفقد هويته.
فالتقدم لا يعني القطيعة مع الجذور، بل حسن توظيفها لبناء مستقبل أكثر اتساعًا وإنسانية.
ولا يمكن إغفال أن التقدم يحتاج إلى صبر واستمرارية. فالأمم التي تتقدم لا تفعل ذلك في عام أو اثنين، بل عبر تراكم الجهود، وتصحيح الأخطاء، والتعلم من الإخفاق دون الوقوف عنده.
وحين يدرك الفرد أن جهده اليومي جزء من صورة أكبر، وتؤمن الأسرة بأن التربية مسؤولية مصير، ويعمل المجتمع بروح الفريق لا الصراع، يصبح التقدم نتيجة طبيعية لا حلمًا مؤجلًا.
هكذا، تتجسد مفاتيح التقدم للأمام في إنسان واعٍ، وأسرة متماسكة، ومجتمع منفتح ومسؤول. وحين تتضافر هذه العناصر، لا يكون التقدم شعارًا يُرفع، بل واقعًا يُعاش، وخطوة ثابتة نحو مستقبل يستحق أن نمضي إليه بثقة وإرادة.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


