بقلم : أحمد رشدى
في الكتابة عن الإنسان، لا يكفي أن نصفه بالكائن المفكّر أو المتأمل، بل يجب أن نراه كما هو في حقيقته؛ ساحة يتداخل فيها العقل والروح ويعبث فيها القلق بين الفكرة وظلّها. وهذه الساحة هي التي تتولد فيها الوساوس، تلك الهمسات الخفية التي تطرق أبواب النفس بصبر لا يعرف الكلل، وتعيد تشكيل الخوف في صورة فكرة تبدو وكأنها حقيقة لا مهرب منها.
كيف ينتصر الإنسان على وساوس نفسه؟
لقد أدرك الدكتور مصطفى محمود هذه الحقيقة مبكرًا، فكان يصف الوسواس بأنه ظِلّ، يتضخم حين تهرب منه، ويذبل حين تواجهه. وكان يرى أن الإنسان لا يُهزَم إلا من داخله، وأن أخطر ما يملكه الوسواس هو أنه يقنع صاحبه بأنه عاجز عن الفكاك منه. ولا تختلف رؤية العلم كثيرًا عن هذه الحقيقة، لكنها تقدم لها تفسيرًا دقيقًا يجعلنا نرى الوسواس لا بوصفه قوة غامضة، بل بوصفه نمطًا فكريًا يمكن فهمه والسيطرة عليه.
وفي هذا السياق، يتفق علماء النفس الحديث على أن الوسواس ينشأ حين تفقد الأفكار توازنها فتصبح أكبر من حجمها الطبيعي. فالتهويل، والخوف من المستقبل، والتفسير القاسي للذات، كلها عوامل تجعل الفكرة تتحول إلى قلق مستمر. ويشير علماء العلاج السلوكي المعرفي مثل آرون بيك وديفيد كلارك إلى أن الإنسان لا يتألم من الفكرة نفسها بقدر ما يتألم من تصديقه لها، وأن العلاج يبدأ حين يفصل المرء بين الفكرة وبين قيمته الذاتية.
ويذهب علماء الأعصاب، وفي مقدمتهم جودسون بروير، إلى ما هو أعمق؛ حيث يؤكدون أن الدماغ يتعامل مع الوسواس كعادة عصبية تتغذى على القلق وتستمر بالتكرار. لكن الدماغ يمتلك مرونة تسمح له بإعادة تنظيم نفسه إذا تدرّب الإنسان على التعامل مع الفكرة دون خوف، وعلى تركها تمر كما تمر السحابة في سماء صيفية لا تهدد المطر.
أما الدين، فيقدم رؤية إنسانية عميقة تُطمئن القلب قبل العقل. فالوسوسة كما جاء في الحديث الشريف ليست دليلًا على ضعف الإيمان، بل دليل على حضوره. وما دام الإنسان يرفض الوسواس ولا يسترسل معه فإن قلبه في مأمن.
والدين لا يطلب من الإنسان أن يصارع الفكرة، بل أن يقطع الطريق عليها بالاستعاذة واليقين، وأن يشغل قلبه وعقله بما ينفع. وهذه الرؤية ليست مجرد علاج روحي، بل هي درع نفسي يعيد للنفس استقرارها ووظيفتها الطبيعية.
ومن منظور المجتمع، تأتي المسؤولية جماعية لا فردية.
فالمجتمعات التي تُخفي آلامها النفسية بحجة القوة، تخلق بيئة خصبة للمعاناة الصامتة. أما المجتمعات التي تفتح باب الحوار وتدعم مؤسسات العلاج والاستشارات النفسية، فهي التي تساعد أبناءها على الوقاية قبل العلاج. وتشير دراسات اجتماعية حديثة إلى أن الدعم العائلي يقلل من الوسواس بنسبة كبيرة، وأن وجود شخص يسمع ويحتوي يساوي أحيانًا نصف العلاج.
وحين نبحث عن طريق التعافي، نجد أن البداية لا تبدأ من الخارج بل من الداخل. فحين يدرك الإنسان أن الفكرة مجرد فكرة، وأن الخوف ليس حقيقة، يبدأ في التحرر. وحين يتوقف عن الهروب، ينهار نصف الوسواس. وحين يمنح نفسه حق الخطأ، يسقط وهم الكمال الذي يبني عليه الوسواس حصونه. وعندما يحتاج الأمر متخصصًا، فإن طلب المساعدة ليس ضعفًا بل وعيًا ونضجًا.
في النهاية، الوسواس ليس عدوًا خارجيًا، بل ظِلًّا داخليًا يتضخم حين ننظر إليه من بعيد، ويصغر حين نواجهه من قريب. وهذه المواجهة هي التي تعيد للإنسان إيقاعه الطبيعي، وتسمح له بأن يرى نفسه كما هي: قادرًا على تجاوز خوفه، وعلى أن ينهض من جديد مهما اشتدت العتمة.
إنها معركة الإنسان مع نفسه، وهي أصعب المعارك وأشرفها. ومن ينتصر فيها يربح سلامه، ويستعيد حياته، ويكتشف أن النور كان أقرب إليه مما ظنّ.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت


