معرض «حكايات وبيوت» .. لمحات من حيوات الناس والمكان

محمد عبد الرحيم

يُقام حالياً في غاليري «آرت كورنر» في القاهرة معرض بعنوان «حكايات وبيوت»، يضم مجموعة من أعمال 3 فنانين على رأسهم فنان الكاريكاتير سعيد بدوي، وكل من الفنانة نيفين ناجي، والفنان عادل عازر. ويبدو أن عنوان المعرض حاول أن يصبح جامعاً لهذه الأعمال المتباينة والمختلفة تماماً، موضوعاً وأسلوباً. فإن كانت نيفين ناجي تهتم أكثر بالبيوت على اختلافها، وحالة تصويرها في لقطات واسعة، بحيث يبدو البيت هو الشخصية الأساسية في اللوحة، يأتي عادل عازر ليحكي بدوره حكايات شخصية، قاصرة على علاقات إنسانية خاصة، أو حالة من الوحدة والفقد والانتظار. وفي الأخير تأتي أعمال سعيد بدوي لتتجاوز فكرة الكاريكاتير التقليدي، ولتصبح لوحاته حالة من السيريالية، تتمثل علاقات إنسانية شديدة التعقيد.

الشخصية

في لوحات الفنان عادل عازر والمهتم أكثر بفن البورتريه، يبدو أنه يعود إلى الكلاسيكيات في فن التصوير، إلا أنه من ناحية أخرى يحاول أن يضيف بعضا من الحداثة إلى لوحاته، وهو ما نبع من الموضوعات نفسها التي يُعالجها، فدائماً ما نجد شخصية مفردة في اللوحة، إما أنها تبحث عن مصيرها الغامض وهي تحدّق في فنجان، أو أنها تطالع المُتلقي نفسه في تكوين غاية في الحداثة، رغم أن اللوحة توحي للوهلة الأولى أنها مجرد بورتريه عادي لأمرأة. نلحظ ذلك في الألوان التي تجعل من الجو المحيط باللوحة ــ المكان ــ به الكثير من الغموض، فهو غير مُحدد، بغض النظر عن فكرة البورتريه وحجم الكادر ــ اللقطة القريبة في لغة السينما ــ إلا أن المكان هنا يتم تغييبه عن قصد، خاصة مع خلفية توحي بأن المرأة خارجة من الماء، ربما! إضافة إلى تلوين الخلفية كما في المقابر الفرعونية، وهو مفارق تماماً وملامح المرأة الغربية. حالة الشخوص دائماً هي ما تشغل عازر، وعلاقات الوحدة والصداقة، كما في لوحة طفلين يحتضن كل منهما الآخر.

من ناحية أخرى نجد لوحة تبدو كالنغمة المختلفة تماماً عن سياق اللوحات، وهي لوحة تجريدية لا تعتمد التشخيص، بل الخطوط والتكوينات، وأسلوب التلوين المختلف بدوره عن باقي لوحات الفنان.

المكان

وعلى الخلاف من لوحات عادل عازر، تأتي لوحات الفنانة نيفين ناجي، حيث يتصدر المكان، المتمثل في (البيت) المشهد، ويصبح هو بطل الحكاية، بحيث تبدو الشخصية وإن ظهرت في بعض اللوحات على استحياء، وكأنها تستكشف مكاناً غريباً مهجوراً، أو أصبح غريباً عليها.

عدة ملامح يمكن اكتشافها من لوحات نيفين ناجي، منها تنوع أشكال البيوت، والتي في أغلبها تمثل بيوت مناطق شعبية أو ريفية، وصولاً إلى بيوت الواحات. كذلك يوجد تنوع في تناول الموضوع من جهة الأسلوب، وإن كان في الأغلب يميل إلى التأثيرية مع شيء من التجريد، هذا التجريد الذي يحضر بقوة في اللوحة التي تتصدر مقدمتها شخصية إنسانية، حتى لتبدو أنها أصبحت ــ البيوت ــ غائبة التفاصيل، وكأنها يتم تصويرها وتجسيدها من خلال ذاكرة الشخصية نفسها.

ثم تأتي في الأخير فكرة الزمن ومدى تأثيره على المكان. فالأماكن والبيوت في اللوحات تبدو في أغلبها صامتة ومهجورة، وكأنها بذاتها تحكي حكاياتها الخاصة، فهي أيضاً تتذكّر مَن سكنوها، وتحكي عنهم في حالة دائمة من السكون، وهو تجميد لحالة الزمن الذي إنسال ومرّ في غفلة من أصحابه، ولكن البيت يتذكّر جيداً، ويُعيد الحكاية من وجهة نظره. يؤكد هذا اللون في اللوحات، حيث الأصفر ومشتقاته يسيطر على أغلبها، حالة غروب دائمة تتحكم في موضوع اللوحة وأسلوبها.

علاقات معقدة

ونختتم بالفنان سعيد بدوي، الذي يُعبّر من خلال لوحاته عن عالم معقد وعلاقات متوترة، حيث وإن كانت اللوحة تتمثل شكل الكاريكاتير في الخطوط والمبالغة في الأشكال والتكوين، إلا أن الأسلوب السيريالي هو الذي يحكُم إيقاع اللوحات، ويختلق عالمها فوق الواقعي.
فالمرأة هي الشخصية الرئيسية في اللوحات، ومن خلالها أو من وجهة نظرها تتحدد جميع العلاقات في اللوحة، سواء الرجل، الذي يبدو دائماً في جوانب الإطار أو التكوين، أو ينظر في خلسة إلى مجموعة من النساء وهن في ظن أنهن بمفردهن. أو يصبح مجرد وسادة أو أشبه بقطعة ديكور تستند إليها المرأة وهي في جلستها مسترخية.

من ناحية أخرى يبدو التناغم في الطبيعة التي اختار الفنان مفرداتها، والتي بدورها مُستمدة من تراث المكان الشعبي، مثل المرأة وإطعامها الحمام، الذي يلتقط الحَب من يدها، أو الزهور التي تمسكها باليد الأخرى، من دون إغفال (نحلة) تبحث عن زهرتها المناسبة. وهنا يبدو الرجل في جانب اللوحة الأيسر، شبه منزوٍ، يبدو حزيناً أو غاضباً، رغم حالة التآلف بين المرأة والكائنات التي تقوم برعايتها، ليصبح هو فقط ممثل للنغمة النشاز والمختلفة تماماً، حتى يمكن ببساطة الاستغناء عنه في لحظة. وهي رؤية ساخرة لهذه العلاقة بين رجل وامرأة.

وفي لوحة أخرى يتحول هذا الرجل إلى كائن خرافي، تظلله امرأة، ويحيط بساقه ثعبان، يعتقد الرجل أنه يستطيع ترويضه، وحتى إن كان يمكنه ذلك إلا أنه ــ نظراً لوضعية تكوينه في اللوحة ــ لا يبدو مسيطراً مقارنة بحجم المرأة وتكوينها، وهكذا علاقات وتكوينات يجب إعادة النظر في سياقاتها وموضوعاتها.

أما من جهة الأسلوب فيُعيد الفنان سعيد بدوي صياغة فن الكاريكاتير في وعي المُتلقي، فهو لم يعد باعثا على السخرية فقط، وفق تحويرات ومبالغات في نِسب الأجسام، بل ومن خلال الخطوط فقط والتحبير يُعيد إنتاج اللوحة وفق خيال سيريالي، من دون الاقتصار على أسلوب الكاريكاتير، أو ما يمكن تصويره على أنه على شاكلة رسومات الكاريكاتير المعهودة. الفكر السيريالي هنا هو ما يميز تجربة الفنان عن غيره من رسامي الكاريكاتير، إضافة إلى فكرة النقد الاجتماعي التي لا تخلو لوحة من اللوحات من استحضاره.

******
المصادر
القدس العربي
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم