معرض الفنان التشكيلي هاشم حنون ..تفرد في الشكل اللوني وخصوصية الموضوع.

المدينة بعينٍ مُلوّنة مُحتفيةلمناسبة المعرض الجديد للفنان هاشم حنّون تشدّنا أعمال هاشم حنّون التي تُعرض، حاليّاً، في مغتربه – كندا – بقوّة، إلى المتحقّق الشكليّ الذي أنتجته تجاربه السّابقة بنزعتها الاحتفائيّة بموضوعها، ومادتها – تجارب معرضه مدن الحنين في عمّان، مثلاً- وتحتمي بأفضل مزاياها الشكليّة التي تُفرد خطابَه عن خطابات أقرانه، رسّامي المُدن. وتُمثّل أعمال معرضه الجديد امتداداً لتلك التجارب، وتدعيماً لصياغاتها، ومحاولةً لتحصين عناصر استقرارها بعد انتقالها من المعنى \ القصد \ التعبير إلى السّطح، والتمركز داخل حدوده ليؤثّر بمادته الحسيّة، ومظهره المتعيّن. ولم يعد، كما يبدو، يعتري تجربةَ الفنان قلقٌ شكليّ على مصيرها، ومستقبلها في ظلّ خبرة مديدة واثقة، ووعي جماليّ متنام. بالمقارنة مع أقرانه لم يتغرّب هاشم حنون عن تجربته التي تطورت، عموماً، داخل كيانها الخاص، ولم تخضع لإغراءات الشكل المتطرّفة بصرعاتها اللاهثة، وهي تحافظ على إرثها الذي نما باضطراد، واتزان، ولم يفقد (أصالته). ومثل ماتيس آمن هاشم حنون بـأنّ “الرسم هو اللّون” فمضى أبعد في إطلاق الحريّة للّون على سطوحه مبتدئاً بإخراجه من محيطه الخطّي، وتحريره من الإحاطة الخطيّة التي تقيّدُه، ثم جعل اللّون ينبذ الحالة التي يُحصَر فيها، عادةً، بخطٍّ خارجيّ يرسم حدوده، ويعوقه عن الاستقلال بطاقته الخاصّة، والتأثير بها. واتسعت حريّة اللون حتى استحالت بعض الأعمال- في مدى أستراحة اللّون فيها من الخطّ- تجريداتٍ بعناصر لونيّة محتشدة تصطف طولاً وعُرضاً في كورس بهيج محتفل، داخل نظامٍ بنائيّ تبسيطي اختزل الأشكال باتقان، ورهافة، بما يسمح للون بالهيمنة على السّطح، وإطلاق قواه، وإبراز قيمه الجماليّة بدرجات متباينة من الصفاء، والسطوع، أو بالتداخل، والاندماج بغيره من الألوان. هذا النفوذ للألوان جعلها تجتذب عناصرَ كلّ عمل إلى سطحه الأقرب للناظر، بما في ذلك العناصر، والأشكال التي تبدو، منظوريّاً، بعيدة.. وقد خفّف هذا الإجراء من طغيان المنظور، وأوهى قواه عن العمل، رغم حضوره.. تتعاضد السطوح التصويريّة للأعمال جميعها ببهرجتها اللّونيّة خالقةً رجْعاً تسمعه العين، وأصداءً، وتجاوباتٍ هائجة بين ألوان تتناغم هنا، وتتضادّ هناك، في مسيل غنائيّ جارف بلا تحفظات، وذلك جعل المادة اللّونية أقرب إلى حِلية لونيّة هي نظير ما يُعرَف في البلاغة العربيّة بالمحسِّنات اللّفظيّة. نفكّر مليّاً في الغزو اللّوني لكلّ سطح، وربّما نقع في يقين أنه يصلح كنايةً عن غنى المدينة، وتنوّع مفرداتها، واكتظاظها، كناية عن احتفائها بذاتها، وانتشائها بوعودها، وخطاباتها كأمّ حضارة بهيّة، نهمة لا يُشبعها لون. ولعلّنا نرى الألوان، وقد رصّعت السّطوح، عناصرَ مهمّةً لتخفيف ثقل المدينة، وتلطيف حَجَرها، وإسمنتها، وحديدها. المدينة، بالنسبة لهاشم حنون بمظهرها المرئي المتحقّق، وخارج طبيعتها الثقافيّة المتعيّنة، وشكل علاقتها بإنسانها، هي مادة كثيفة يمكن استثمارها شكليّاً بما يستجيب لنزعته التزيينيّة في الرسم أوّلاً، وبما يتوافق، ثانياً، مع رؤيته لوظيفة العمل الفنيّ كأثرٍ ماديّ (يُستعمَل) لتحقيق هدفٍ إنسانيّ نبيل، فيخدم مقتنيَه، كلّما تطلّع إليه على جداره، ويتكفّل بإراحة أعصابَه في حياة شاقّة مجهدة يعيشها. وتلك رؤية، أو نظرة يعتنقها كثيرون، وتريد للرسم أن يكون خطاباً تلطيفيّاً بين الخطابات الجادّة، التي لا تُهادن، وتُلقي عليه تبعات أن يكون تزيينيّا وحده. وذلك يثير سؤالاً، وآخر. يضع هاشم حنّون في صُلب أولوياته، كرسّام، المتلقّي\ مقتني أعماله، كأنّما (متلقيه) حاضر معه، ولا يكفّ عنه، متفاعلاً، ومستجيباً على مدى عملية إنجازه لوحته، وحسبه أن يطمئنّ إلى أنّه صنع له بهجةً على جدارٍ للترفيه، كما لو أنّ الرسم ديانةٌ للسلوى في يقظة المدينة المقلقة، ومنامها بأضغاث كوابيسها.#الفن والنفد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم