مظهر الحجي.. شاعر حمص الذي رحل وبقيت كلماته وذاكرة المدينة

غاب الشاعر مظهر رشيد الحجي، وغابت معه قامة أدبية حمصية حملت الشعر واللغة وذاكرة المدينة على امتداد عقود، تاركاً وراءه إرثاً من القصائد والدراسات والتحقيقات الأدبية، وذكرياتٍ في نفوس تلامذته وأصدقائه وكل من عرفه عن قرب.

لم يكن رحيل مظهر الحجي غياباً لشاعر فحسب، بل خسارة لصوتٍ أدبي ارتبط بمدينة حمص ارتباطاً عميقاً، حتى بدت المدينة حاضرة في تجربته الشعرية بوصفها مكاناً وذاكرةً ووجداناً. وقد امتدت تجربته الأدبية نحو ستة عقود، أغنى خلالها الشعر السوري والعربي، إلى جانب إسهاماته في البحث والنقد وتحقيق التراث.

ولد الحجي في حمص عام 1946، ونشأ في مدارسها، قبل أن ينتقل إلى جامعة دمشق لدراسة اللغة العربية وآدابها، فنال الإجازة عام 1969، ثم الدبلوم العام في التربية عام 1970. واختار التعليم ميداناً له، فعمل مدرساً للغة العربية، كما تولى مهمة التوجيه الاختصاصي، وأسهم في مجال التأليف والمناهج، جامعاً بين رسالة المعلم وشغف الأديب.

شاعر حمص وذاكرتها

بدأت علاقته بالأدب مبكراً، فكتب القصة القصيرة والقصيدة العمودية، قبل أن يستقر على الشعر ويجعله عالمه الأوسع. وشارك في الأمسيات والندوات الأدبية، ونشر نتاجه في الصحف والمجلات السورية والعربية، فيما شكّلت حمص إحدى أبرز الركائز في تجربته الشعرية.

وفي ديوانه «الوراق» حضرت حمص بما تحمله من عادات وتقاليد وثقافة شعبية وشخصيات وذكريات، حتى وصف النقاد العلاقة بين المدينة والشاعر بأنها علاقة تبادل للعطاء والتأثير. كما ظهرت في ديوانه «المتيم» مساحة واسعة للذاكرة والعاطفة والحنين، في تجربة جمعت بين الأصالة والحداثة.

حارسٌ للتراث

ولم يتوقف عطاؤه عند كتابة الشعر، فقد ترك بصمة مهمة في مجال الدراسات الأدبية وتحقيق كتب التراث، وكان من أبرز اهتماماته الشاعر الحمصي ديك الجن، الذي خصّه بدراسة نقدية، إلى جانب جمع وتحقيق ديوانه.

وفي هذا العمل تحديداً، لم يكن الحجي يكتفي بجمع النصوص، بل حاول إعادة قراءة تجربة ديك الجن ووضعها في سياقها الأدبي والتاريخي، والدفاع عن مكانته بين كبار شعراء عصره.

كما شملت أعماله «النورس والرحيل بين السيف والقلب»، و**«نقوش بالجلنار»، و«حكاية عشق ممنوع»، إلى جانب أعمال في اللغة والتراث، منها «الخط والإملاء»، وتحقيق ديوان محمد بن يسير الرياشي، و«مختارات من نثر الدر»**.

معلّم قبل أن يكون شاعراً

سيبقى مظهر الحجي أيضاً في ذاكرة أجيال من أبناء حمص معلماً للغة العربية، وموجهاً ومربياً حمل اللغة من صفحات الكتب إلى قاعات الدرس.

وقد جمع في مسيرته بين ثلاثة أدوار متكاملة: المعلم الذي يزرع المعرفة، والشاعر الذي يصوغ الوجدان، والباحث الذي يحفظ الذاكرة الأدبية.

وكان عضواً في اتحاد الكتاب العرب وجمعية الشعر، وشارك في العديد من الفعاليات والأمسيات الأدبية، كما نال وساماً عسكرياً لمشاركته في حرب تشرين عام 1973.

يرحل الجسد وتبقى الكلمات

برحيل مظهر الحجي، تفقد حمص واحداً من أبنائها الذين جعلوا من الأدب جسراً يصل الماضي بالحاضر، ومن القصيدة مساحة لحفظ الذاكرة.

قد يغيب الشاعر عن الأمسيات، ويخفت صوته عن المنابر، لكن ما كتبه لا يغيب. ستبقى قصائده شاهدة على زمنه، وستظل دراساته وتحقيقاته حاضرة في المكتبة العربية، وسيبقى اسمه مرتبطاً بمدينة أحبها وكتب عنها وعاش تفاصيلها.

رحل مظهر الحجي، لكن الشاعر الذي أفنى عقوداً في خدمة الكلمة لا يغيب تماماً؛ فالكلمات التي تركها خلفه تعرف كيف تعيش بعد أصحابها.

رحمه الله، وأبقى أثره الأدبي والإنساني حاضراً في ذاكرة حمص وأهلها ومحبي الأدب.

أخر المقالات

منكم وإليكم