فيلم ملكة الصحراءQueen of the Desertتبدأ قصة الفيلم من قلب الصحراء، حيث تلوح الرمال كأنها ذاكرةٌ مفتوحة لا نهاية لها ، وحيث تمضي امرأةٌ إنجليزية وحيدة وسط القوافل والمسافات الطويلة، لا بوصفها سائحة تبحث عن المغامرة، بل بوصفها روحاً تريد أن تعيد اكتشاف ذاتها بعيداً عن صخب طبقتها الأرستقراطية في لندن. إنها “غيرترود بيل” التي ستعرفها المنطقة لاحقاً باسم “مس بيل” أو “الخاتون”. في مطلع حكايتها نراها تتنقل بين إيران وبلاد الشام والجزيرة العربية، ترصد المدن والقبائل، تتعلم اللغة وتُحسن الإصغاء للتفاصيل، وتُسجّل في دفاترها ما يشبه الخرائط الإنسانية قبل الخرائط السياسية.لكن الفيلم، منذ لحظاته الأولى، لا يدفع بنا مباشرةً نحو السياسة، بل يجرّنا إلى الداخل ، إلى المرأة نفسها، إلى جوعها العاطفي، إلى رغبتها في حبٍّ يليق بها، وإلى الخيبات التي جعلت القلب يتراجع خطوةً خطوة لصالح العقل. تتعلّق غيرترود بدبلوماسي شاب، وتبدو العلاقة كأنها أول نافذة ضوء حقيقية في حياتها، ثم لا تلبث الأحداث أن تقسو، فتأخذها من الحلم إلى الفقدان ، ومن الاطمئنان إلى الفراغ. ومع مرور الوقت، ومع خذلان الحب مرةً بعد مرة، تتحول الصحراء إلى وطن بديل ، مكانٍ يمكنها أن تمارس فيه وجودها بلا قيود، وأن تبني فيه صورة المرأة التي لا تشبه نساء عصرها.ومع اتساع الرحلات وتزايد الاحتكاك بالقبائل والزعماء، تأخذ غيرترود دوراً أكبر من مجرد رحّالة. تصبح حلقة وصلٍ بين القوى البريطانية ومجتمعات المنطقة، تكتب التقارير وتشارك في اجتماعات القرار، وتتعرف إلى شخصيات سياسية وعسكرية ستصنع التحولات القادمة. ومن بين هذه الشخصيات يظهر “توماس إدوارد لورنس” الذي سيعرفه التاريخ لاحقاً بلقب “لورنس العرب”، فيتقاطع مساره مع مسار “الخاتون” في فضاءٍ واحد: فضاء الشرق الذي كانت القوى الكبرى تعيد هندسته على نار الحرب ونتائجها. وهكذا تتقدم القصة من امرأة تبحث عن حب، إلى امرأة تقترب من مفاصل السياسة، حتى تصبح حياتها نفسها طريقاً بين عالمين: عالم الإمبراطورية التي جاءت لتقسم، وعالم الشرق الذي سيُقسم.هكذا يضع فيلم ملكة الصحراء مشاهديه أمام سيرة غنية، ولكن عبر زاويةٍ واحدة محددة ، زاوية العلاقة بين الإنسان ومصيره الشخصي، بين النداء العاطفي والنداء التاريخي. فالمخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ، وهو المعروف بنزعته الخاصة في النظر إلى الشخصيات الاستثنائية، لا يقدم غيرترود بيل بوصفها وثيقة استعمارية جامدة، ولا بوصفها بطلة سياسية جاهزة، بل ككائن إنسانيّ يحاول أن يصنع معنى لوجوده وسط عالمٍ شديد القسوة.هذا الاختيار الفني هو أكثر ما يميز الفيلم وأكثر ما يثير النقاش حوله أيضاً. فغيرترود بيل التي يعرفها دارسو تاريخ العراق الحديث بوصفها ذات تأثير بالغ في تشكيل الدولة العراقية الحديثة وفي علاقاتها بالزعامات العشائرية وتقديمها الاستشارة للمسؤولين البريطانيين، تتحول في الفيلم إلى امرأةٍ تنكسر في الحب قبل أن تنتصر في السياسة. وكأن العمل يريد القول إن “الخاتون” التي تبدو في الوثائق صارمةً وحاسمةً، كانت في داخلها امرأةً تدفع ثمناً باهظاً كي تصنع تلك الصرامة.أداء نيكول كيدمان يمنح الشخصية رهافة خاصة. فهي لا تلعب الدور بوصفها امرأة قوية فقط، بل بوصفها امرأة تبني قوتها على أنقاض معاناتها. ملامحها لا تصرخ، لكنها تحمل ما يكفي من التعب والقلق والأسئلة. إنها تقدّم غيرترود بيل ككائنٍ يعيش بين لغتين ، لغة القلب التي تخونه، ولغة العقل التي تنقذه. وتزداد قوة الأداء حين تتحول الشخصية تدريجياً من رومانسية حالمة إلى امرأة ترى العالم بوصفه شبكة مصالح وقوى، دون أن تفقد قدرتها على الانبهار بالثقافات والناس.أما الفيلم سينمائياً ، فهو واحد من أكثر أعمال هيرتسوغ انحيازاً إلى الجمال. الصحراء هنا ليست خلفية، بل خطاب. اتساع الرمال يخلق إحساساً مهيباً بأن الإنسان صغير جداً أمام الطبيعة، ومع ذلك يستطيع أن يترك أثراً عظيماً. القوافل والسماء والريح… كلها تمنح الفيلم نبرة ملحمية، كأن التاريخ يمشي على قدمين. وتبدو الكاميرا وكأنها مفتونة بفضاء الشرق ، الضوء الذهبي، الأفق المفتوح، المدن القديمة، والخيام التي تشبه القصائد.غير أن هذا الجمال نفسه يحمل مفارقة واضحة ، فالفيلم يتعامل مع الصحراء بوصفها مسرحاً للغناء البصري أكثر منها ميداناً لصراع المصالح، ولهذا يشعر المشاهد أحياناً أن السياسة تمر كهمسٍ في الخلفية، فيما يتقدم الحب والحنين والبحث عن الذات إلى المقدمة. إن هيرتسوغ يضع جوهر الفيلم في داخل غيرترود بيل، لا في الوثائق التي كتبَتها، ولا في الخرائط التي أسهمت بصنعها.وهنا تحديداً يصبح الفيلم مثيراً للأسئلة ، هل أراد هيرتسوغ إنصاف “الخاتون” أم أراد اختزالها؟ هل قدّمها بوصفها امرأة استثنائية أم بوصفها عاشقة حزينة؟ في الحقيقة، الفيلم يفعل الأمرين معاً. إنه يضيء جانباً إنسانياً مهماً من حياتها، لكنه يُبقي الجانب السياسي في الظل، في حين أن أهمية غيرترود بيل التاريخية لا تنفصل عن مشروع الإمبراطورية البريطانية في المنطقة وعن طريقة رسم الحدود وتشكيل الدول بعد سقوط الدولة العثمانية. ومع ذلك، فإن الفيلم لا ينكر ذلك تماماً، بل يلمّح إليه، كأنه يقول إن كل تلك الخرائط بدأت من هناك… من لحظةٍ كانت القوى الكبرى تفكر بالشرق بوصفه غنيمة.ميزة الفيلم الأكبر أنه يعيد هذه الشخصية إلى التداول الثقافي من جديد. فغيرترود بيل ليست اسماً مدرسياً ولا بطلاً سينمائياً تقليدياً، بل اسم إشكالي، يراه البعض صانعة تاريخ، ويراه البعض الآخر “جاسوسة”. الفيلم لا يحسم الموقف، ولا يصدر حكماً أخلاقياً مباشراً، بل يقدّمها للمتفرج كي يراها من قرب: امرأة ذكية، شغوفة، عنيدة، جميلة، مسكونة بالمعرفة… وفي الوقت نفسه جزء من مشروع سياسي أكبر منها.في النهاية، يبدو ملكة الصحراء فيلماً عن امرأةٍ صاغت نفسها في مواجهة عالمٍ ذكوريّ قاس، ثم ساهمت ، شاءت أم أبت ، في صياغة تاريخ منطقة كاملة. فيلم عن الشرق بوصفه سحراً وخديعة في آنٍ واحد: سحرٌ يأخذ القلوب، وخديعة تُعاد كتابتها على الخرائط. ويبقى أثر الفيلم في سؤالٍ غير معلن ، هل كانت “الخاتون” صانعة قدرها… أم أن القدر هو الذي صنعها لتكون أداةً في صناعة قدر الآخرين؟ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلمشاهد الفيلم اضغط على الرابط التاليhttps://ok.ru/video/42605283885
#سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.


