مدن مونستر” و”أوسنابروك” في مقاطعة ويستفاليا.شهدت أول مؤتمر دبلوماسي حديث في تاريخ البشرية.

كانت الأراضي الألمانية عام 1648 عبارة عن مقبرة مفتوحة تمتد من جبال الألب إلى بحر البلطيق. بعد ثلاثين عاماً من المذابح المستمرة التي مزجت التعصب الديني بالأطماع السياسية، واستباحت فيها جيوش المرتزقة القرى والمدن، وصل الجميع إلى نقطة “الإنهاك الشامل”. أدرك ملوك أوروبا وقادتها أن استمرار الحرب يعني فناء القارة بأسرها، وأن الحسم العسكري أصبح سراباً لا طائل تحته. فقرروا، ولأول مرة في التاريخ، الجلوس إلى الطاولة بدلاً من امتطاء السروج، لتدور رحى معركة من نوع آخر في مدينتي “مونستر” و”أوسنابروك” في مقاطعة ويستفاليا.شهدت تلك المدن أول مؤتمر دبلوماسي حديث في تاريخ البشرية، حيث اجتمع مئات السفراء والمبعوثين الذين يمثلون الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وفرنسا، والسويد، وإسبانيا، والبابا، وعشرات الإمارات الألمانية الصغيرة. استمرت المفاوضات لسنوات، تخللتها مناورات دقيقة ومعقدة حول بروتوكولات الجلوس والألقاب، بينما كانت المعارك لا تزال تشتعل في الخارج كورقة ضغط. تميزت تلك اللحظة بتغليب “المصلحة العقلانية” على “العاطفة الدينية”، حيث سعى المجتمعون لرسم خريطة طريق تضمن البقاء للجميع، متجاوزين فكرة انتصار مذهب على آخر.تمخضت المعاهدة عن زلزال جيوسياسي ضرب “الإمبراطورية الرومانية المقدسة” في مقتل. فقد أقر الصلح واقعاً جديداً منح أكثر من 300 دويلة وإمارة ألمانية “سيادة إقليمية واسعة داخل إطار الإمبراطورية”. صار بإمكان أمير “بافاريا” أو ناخب “براندنبورغ” عقد التحالفات، وإعلان الحرب، وتوقيع المعاهدات مع دول أجنبية دون الرجوع للإمبراطور في فيينا. تحولت الإمبراطورية العظيمة، التي حلمت يوماً بحكم مسيحي موحد، إلى فسيفساء مفككة من الدول المستقلة، وبقي للإمبراطور الهابسبورغي التاج واللقب، بينما ذهبت السلطة الفعلية للأمراء، مما أخر توحيد ألمانيا لقرنين قادمين.وعلى الصعيد الروحي، رسخ الصلح مبدأً براغماتياً ، حدَّ من قابلية استخدام الدين كذريعة للحرب، دون أن ينهيها تماماً.لم يكن الصلح إعلاناً بـ”علمانية كاملة” فقد أبقى على حق الأمير في اختيار دين الإقليم الرسمي (من الثلاث مذاهب)، وسمح بـهجرة الرعايا إذا اختلفوا، مما أدى في بعض الحالات إلى تطهير ديني محدود. اعترفت المعاهدة بالكالفينية كمذهب ثالث إلى جانب الكاثوليكية واللوثرية، وأقر الجميع بأن حدود الدول خطوط مقدسة لا يجوز تجاوزها بدعوى نصرة الدين. تراجع نفوذ الفاتيكان السياسي بشكل حاسم، حيث تجاهل الملوك احتجاجات البابا “إينوسنت العاشر” الغاضبة، معلنين بداية عصر “الدولة القومية” ذات السيادة، التي لا تخضع لسلطة أعلى منها، لا إمبراطور ولا بابا.خرجت فرنسا والسويد من المؤتمر كقوى عظمى ضامنة للنظام الجديد، ورسمت ويستفاليا ملامح “توازن القوى” الذي سيحكم القارة لقرون. لقد كانت تلك الاتفاقية شهادة وفاة للعالم القديم الذي يحكمه الولاء الديني والإقطاعي، وشهادة ميلاد للنظام العالمي الحديث القائم على الدول ذات الحدود والسيادة.مهدت هذه التحولات لظهور “المارد” الذي سيحكم القرون اللاحقة: “القومية”. فمع تراجع سطوة الإمبراطورية الجامعة، انطلق كل شعب يبحث عن ذاته في اللغة والتاريخ والدم، مستبدلاً ولاءه القديم للملك المقدس ( مثل الثورة الفرنسية) بولاءٍ جديد ومطلق لـ “الأمة”. شكلت هذه النزعة الوقود الحارق الذي صهر ألمانيا وإيطاليا لاحقاً في كيانات موحدة، وغدت في الوقت ذاته الخنجر الذي مزق إمبراطوريات عظمى كالنمساوية والعثمانية، محولةً أوروبا إلى “ساحة مصارعة” شرسة بين هويات عرقية متعصبة، قادت العالم في النهاية نحو خنادق الحرب العالمية الأولى، لتثبت أن “الحدود” التي رُسمت في ويستفاليا لحفظ السلام، قد تغدو هي ذاتها خطوط النار حين تُعبأ بمشاعر الكراهية ورفض الآخر.# حقبة تاريخ # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم