رسم للكاتبة الإنكليزية جورج إليوت صاحبة رواية “مدل مارش” (Getty)
في كل مرة تصنّف صحيفة غربية أعظم مئة رواية على مرّ العصور، تسوّغ اختياراتها عادة بعبارة “ليست قائمة نهائية” لدرء النقد الذي قد تتعرّض له، كما فعلت صحيفة ذا غارديان البريطانية، أول من أمس السبت، حين تصدّرت قائمتها رواية “مدل مارش” للكاتبة الانكليزية جورج إليوت.
انهالت تعليقات القراء على المواقع التي أعادت نشر القائمة، محمّلة معظمها باعتراضات على غياب أسماء معينة، أو تقدم كتّاب على سواهم، أو اختيار 41 عملاً منها لـ16 كاتباً فقط، لكن سؤالاً أهم طُرح حول توجه “ذا غارديان” إلى نحو 170 روائياً وناقداً وأكاديمياً لاستطلاع آرائهم، بالنظر إلى ارتباط كثير منهم بدور نشر بريطانية، ما يشكّك بذائقتهم وتفضيلاتهم إلى حدٍّ كبير.
“مدل مارش” التي طُبعت لأول مرة عام 1871، حظيت بمراتب متقدمة في قوائم مشابهة سابقاً، مع الإشادة بتصويرها قصور الإصلاح السياسي والاجتماعي في بلادها خلال تسعينيات القرن التاسع عشر، وبعيداً عن الانتقادات التي طاولت تكلّف صاحبتها في تقديم أفكار ومواقف تستند إلى العلم، وخاصة نظرية داروين، فإن محلية الرواية التي تدور أحداثها في بلدة إنكليزية في مرحلة انتقالية على مستوى الصناعة والتشريعات والأفكار، تحدّ من منافسة أعمالٍ روائية أخرى تجاوزت حدود المكان والزمان.
ثلثا الروايات التي اشتملت عليها القائمة كُتبت باللغة الإنكليزية
أبرزت الصحيفة في تغطيتها الموازية ورود 36 كاتبة في القائمة بوصفه تمييزاً إيجابياً، مع أن الرواية الأعظم تحمل توقيع اسم مستعار، بدلاً من اسم صاحبتها الحقيقي ماري آن إيفانس، التي اختارت اسم رجلٍ لتنال اهتماماً نقدياً أكبر في العصر الفيكتوري. ويبدو أن عدد الكاتبات أثار غضب بعض الذين وجدوا في الأمر تمييزاً مبالغاً فيه.
مسألة أخرى تتعلق باعتماد القائمة على الروايات التي كُتبت بالإنكليزية، أو تُرجمت إلى الإنكليزية، ثم افتراض أن المنتخبات المئة تتيح فهم الأدب الروائي حول العالم. من هنا تبدأ عملية الإقصاء، إذ تصبح الترجمة أداة محو باعتبارها نسقاً مهيمناً يرتبط باستحسان نصوص معينة من ثقافة ما، استناداً إلى منظومة فلسفية وسياسية في الثقافة التي ستُنقل هذه النصوص إلى لغتها. وبالمحصلة، فإن ثلثي الكتب التي اشتملت عليها القائمة كُتبت باللغة الإنكليزية، وهو ما يعزز الانطباع بهيمنة مركزية مزدوجة؛ غربية وأنجلوسكسونية.
تلك المنظومة الثقافية التي تفرض جملة مفارقات في القائمة لا يمكن تجاهلها، فكيف تحتل رواية “بيدرو بارامو” للمكسيكي خوان رولفو المرتبة الـ96، وهو عمل مؤسس انبعثت منه الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية، يكثّف في 170 صفحة أعمق التأملات حول الخيانة والسلطة والموت. وكذلك الحال مع روايتَي “الجريمة والعقاب” و”الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي اللتين نالتا المرتبتين الـ69 والـ28 تباعاً، رغم براعة كاتبهما في نبش أعماق النفس البشرية أثناء اختباره أكثر القضايا إشكالية في الوجود، أو “دون كيخوته” لثربانتس التي صنفتها القائمة في المرتبة الـ26، في إغفال لريادة عملٍ ظلّ مؤثراً بعد أكثر من 400 عامٍ على ظهوره، سواء في بناء شخصيتي دون كيخوته وسانشو أو في تقنيات الكتابة. تتراجع هذه الأعمال لصالح روايات لم تترك مثل هذا الأثر، ومنها “حياة السيد النبيل تريسترام شاندي” لستيرن، و”لوليتا” لناباكوف، و”مرتفعات وذرنغ” لإميلي برونتي.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


