محمد ناصر الدين يكتب مقاربة وقراءةحول “اغتيال الوعي من تزييف الذكاء الاصطناعي إلى زمن الرويبضة”

الجزء التاسع: مكاشفات خاصة اغتيال الوعي من تزييف الذكاء الاصطناعي إلى زمن الرويبضة

بقلم: محمد ناصر الديننخصص هذا الطرح في الجزء التاسع لأخطر جبهات الوعي المعاصر، لنفكك اشتباكا يوميا يقع فيه البعض دون أن يشعر، ألا وهو فقه التعامل مع أدوات التواصل الاجتماعي، فنحن نعيش في عصر تُقاد فيه العقول بأنظمة رقمية موجهة لا تفهم النوايا بل تحصي النقرات، والجهل بقواعد هذه اللعبة يجعلنا أدوات مجانية لنشر ما نكره، وإن شاء الله خير.أولاً: فخ الاستفزاز وخدمة الباطل بالمجان – من وجهة نظريأكبر خطأ نقع فيه بحسن نية هو تفاعلنا مع الصفحات التي تهاجم الإسلام أو تبث الشبهات المسمومة، فالأفضل ألا تضع لها متابعة بحجة معرفة جديد ما ينطقون به، والمصيبة الكبرى تحدث حين يستفزك منشور يطعن في الثوابت فتدخل منفعلا لتكتب تعليقا تهاجمهم فيه، قد يظن المرء أنه يجاهد إلكترونياً ويظاهر على الباطل، بينما يقع في الفخ من حيث لا يشعر، لأن منصات التواصل لا تقرأ اللغات ولا تفرق بين تعليق يمدح وتعليق يشتم، بل تترجم الغضب على أنه تفاعل نشط، والنتيجة أن المنصة تكافئ هذه الصفحة وتنشر الباطل لآلاف البشر بفضل ذلك التعليق.والعلاج الحاسم والوحيد هنا هو إعدام هذه الصفحات بالتخطي والحظر المباشر، والقاعدة قديما تقول «أميتوا الباطل بالسكوت عنه»، فالتجاهل هنا ليس ضعفا بل هو سحق رقمي للخصم، قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ).ثانياً: الاستحمار الرقمي واغتيال قامات الأمةوما يكشف حجم الخواء الذي نعيشه اليوم هو انتشار مقاطع وصور مفبركة بوضوح عبر الذكاء الاصطناعي تستهدف رموز الدين بغرض التشويه، والكارثة ليست في الذباب الإلكتروني الذي أنتج هذه التفاهة بل في وعي المتلقي الذي ينساق خلفها كإسفنجة تمتص كل ما يُسكب فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم)، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، فكيف إذا كان النبأ يمس قامات الأمة ومصابيحها.ومن النماذج الصارخة لهذا الانحدار مقطع صوتي رديء الصنع ومُعدل بالذكاء الاصطناعي للشيخ عبد الرحمن السديس يُزعم فيه إباحته للخمر إذا طلب ولي الأمر ذلك، والمضحك المبكي أن الغالبية الساحقة ممن استمعوا للمقطع انطلت عليهم الخدعة وصدقوا هذا الهراء ببلادة عجيبة، وأنا هنا أسجل موقفي بوضوح بأنني لا أتفق مع طروحات السديس ولا أتبنى مواقفه بأي حال من الأحوال، لكن القضية هنا ليست دفاعاً عن أشخاص بل هي انحياز للحقيقة وصيانة للعقل من الاستحمار الرقمي، فالمعيار هنا هو حماية العقل المسلم من الخداع لا تصفية الحسابات السياسية أو المذهبية، فمن المؤسف أن تبتلع بعض العقول هذا الطُّعم بهذه السهولة وتُساق خلف مقطع مفبرك ثم تراها تتصدر المجالس لتجرح في أصحاب الوعي وتنتقد أهل الفكر.حتى كبار العلماء أمثال العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله لم يسلموا من هذه الهجمات الرخيصة، وهو أستاذ جامعي وفقيه ومفكر وشاعر أثرى المكتبة الإسلامية بأكثر من مائة مرجع، من بينها موسوعته الخالدة في فقه الزكاة التي تعد من أعظم ما كُتب في العصور قاطبة، وهو الكتاب الذي لو اجتمع هؤلاء الطاعنون على قراءته لما استطاعت عقولهم استيعاب صفحة واحدة من عمقه الفقهي، ثم يأتي جاهل ليتطاول عليه ويصدق صورة مفبركة يُطعن بها في مسيرته، وقال الإمام ابن عساكر إن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب اه‍.صاحب البصيرة الحقيقية لا ينجر وراء كذبات إلكترونية مفضوحة، فالعقل الذي تستخف به ذبابة إلكترونية وتوجهه أنظمة رقمية عمياء هو عقل يستحق الشفقة والمراجعة، ومن العار أن نكون أمة اقرأ ثم تقودنا أدوات الوهم والتفاهة.ثالثاً: الإساءة للدين بحسن نيةولا نغفل عن جانب آخر من كوارث أدوات التواصل الاجتماعي وهو تصدر بعض المنتسبين للدين بحسن نية وجهل مركب، فيسيئون للإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، كأن يخرج أحدهم بمقطع مصور وهو يقتل البرص متباهيا بتطبيق السنة في قتله من الضربة الأولى، وصحيح يقينا أن قتله من السنة الثابتة ولكن الخلل الفادح يكمن في أسلوب الدعوة وطريقة نشر هذه المقاطع لعامة الناس ولضعاف الإيمان ممن يجهلون مقاصد الشريعة، فيتلقف الخصوم هذا المقطع ليتهموا الإسلام بالوحشية والشراسة، وقد صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (البخاري)، فإن أردت تدارس مثل هذه المسائل فمكانها مجالس العلم وبين أهل التخصص ولا يصح عرضها في الفضاء المفتوح بأسلوب ينفر العوام، فالنية السليمة لا تشفع لصاحبها إن غاب عنه فقه المآلات وحكمة العرض، وليس كل من لبس دشداشة وأطال لحيته أصبح مرجعاً تؤخذ منه الأحكام، فالعلم الشرعي حصن منيع لا يؤخذ إلا من أهل الاختصاص الراسخين فيه، ومن أسوأ ما ابتلينا به اليوم هو استسهال الفتيا حيث يتوب أحدهم بعد حياة قضاها بعيداً عن العلم والقرآن والسنة، فيطلق لحيته ويلبس ثوب الصالحين فيرفعه العوام إلى مصاف العلماء، ويضطرونه للتحدث في دين الله بغير علم، فيَضِل ويُضِل، وتلك والله قاصمة الظهر التي تدمر وعي المجتمعات وتهز أركانها، وقال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: ليس أخطر على الدين من أبنائه حين يسيئون تمثيله، فحين يختزل الإيمان في صراخ على المنابر، وقسوة في الأحكام، واستعلاء على الناس، يتحول من رسالة رحمة إلى مصدر نفور اهـ، فإن وصلنا إلى هذا الحال من التردي الفكري والتخبط الشرعي فلا نلومن إلا أنفسنا حين يُوسَّد الأمر لغير أهله.رابعاً: صناعة الرويبضة وتهميش العلماءوكثير منا تابع قصة تلك الفتاة المصرية في الصين التي تضع غطاء الرأس وترقص زاعمة أنها تدعو للإسلام، ثم تخرج لتدعي خجلها من ترجمة كلام مشايخنا، والمضحك المبكي أن ما خجلت منه هو أصلاً شبهات مفبركة صاغها الملاحدة وانطلت على سذاجتها، والمصيبة هنا ليست في شخص هذه الفتاة الباحثة عن سراب الشهرة بل في مئات الآلاف الذين التفوا حولها وصنعوا من جهلها رمزاً، فمهما حصد الإنسان من شهادات فإنها لا تمنحه وزناً إن غاب الوعي، والمشكلة الكبرى أن هذه النماذج التافهة تخدم بالمجان مخططاً خبيثاً يسعى لتهميش علماء المسلمين وإسقاط هيبتهم كما فعلت أوروبا في العصور الوسطى لتعبيد الطريق نحو الإلحاد، فهي وإن لم تكن تدرك ذلك أداة طيعة في هذا المسار، فمن يعيش في معاقل الإلحاد ويفتتن ببريق الشهرة والمال يسهل ذوبان هويته ومحو خارطته الدينية، ولأن أعداء الدين يعجزون عن مواجهة القرآن والسنة مباشرة فقد جعلوا الطعن في العلماء الربانيين بابهم الأسهل للاختراق، فإذا سقطت هيبة العالم سَهُل تجاوز السنة وتأويل القرآن وفق أهوائهم المنحرفة ليصبح الدين بلا حراس ولا مرجعية.وهناك صفحات متخصصة في نشر المحتوى الفارغ والفضائح تحت غطاء الترفيه، ومتابعتك لها وتفاعلك معها يجعلك شريكاً في صناعة الحمقى وتصدر التافهين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، فالتفاهة تُعدي ومخالطتها الرقمية تسطح عقلك وتسرق وقارك، وقال تعالى في وصف المفلحين (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).خامساً: زكاة الوعي ومزاحمة الباطلوفي المقابل تجد منابر تنشر الوعي وتدافع عن الحق، وهذه الصفحات تُحارب رقمياً وتُقيّد لإخفاء صوتها، وهنا يصبح تفاعلك معها بالإعجاب والمشاركة زكاة لوعيك وسلاحاً تدعم به صف الحق لمزاحمة الباطل، فلا يجدر بنا البخل في دعم كلمة الحق، فكما ينتشر الباطل بصخب أهله وكثرة ضجيجهم يموت الحق بصمت أصحابه وتكاسلهم.وأخيراً: نصيحة للباحثين عن الحقونصيحتي الختامية لكل باحث عن الحق ممن قادته فطرته السليمة للعودة إلى دين ربه والتفقه فيه، ألا يغتر بكثرة المتصدرين والشاشات، فالحقيقة الجديرة بالتأمل هي أن السواد الأعظم من كبار العلماء والراسخين في العلم لا يملكون فائضاً من الوقت ليهدروه في تصفح هذه المنصات ومجاراة لغوها، وإن تواجد بعضهم فيها فمن باب مزاحمة الباطل ودرء المفاسد، وتجد أغلب صفحاتهم من إدارة طلابهم ومحبيهم، فالعلم الحقيقي المتين يُطلب في بطون الكتب وثني الركب في مجالس العلم، لا في التمرير السريع بين المقاطع والمنشورات.ومهما حاول الطاعنون في ديننا النيل منه، سواء كانوا من الداخل كالعلمانيين وأدعياء التنوير، أو من المنهزمين نفسياً والمنبهرين بثقافات الغرب والشرق، فإن هناك حقيقة قاطعة أرددها دائماً، وهي أن هذه الأمة لن تستطيع الرجوع إلى سابق عهدها منارة بين الأمم إلا بالعودة الصادقة لاتباع دين ربها، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، فهذا الدين هو بوصلتنا ودرعنا، وبدونه سنبقى غثاء لا وزن له في ميزان التاريخ.#محمد_ناصرالدين#شعر_فصيح#أدب_عربي#فكر#مجلة ايليت فوتو ارت.

#د. محمد ناصر الدين#مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم