محمد فهد كعيكاتي “ابو فهمي”والذي شكل علامة كوميدية فارقة لعقد من الزمان في اذهان السوريين.

«أبو فهمي»… سيرة رجل أضحك دمشق من وراء الميكروفون…تركي المصطفى لم يكن محمد فهد كعيكاتي واحدًا من أولئك الممثلين الذين هبطوا على الشاشة من فراغ، بل خرج من قلب حارة دمشقية ضيقة اسمها «زقاق القرماني» في سوق ساروجة، حارة تعرف روائح الخبز وماء الغسيل، أكثر مما تعرف عناوين الفن الرسمي. هناك، في ذلك العالم الشعبي العتيق، وُلد الصبي الذي سيصبح لاحقًا «أبو فهمي»، أحد الوجوه الأولى التي رسمت ملامح الضحكة السورية على المذياع ثم على الشاشة. دفي «الكتّاب» حفظ الفتى القرآن قبل أن يحفظ النصوص، وتعلّم الحروف قبل أن يتعلّم النكات، ثم انتقل إلى «دار العلوم» حيث كان وحيدًا بين ثلاثة اجتازوا امتحان الشهادة الابتدائية. من هناك إلى «الكلية العلمية الوطنية» كانت الطريق مفتوحة، لولا أن الحرب العالمية الثانية قطعت خط سيره الدراسي، فدفعته – كما دفعت جيلًا كاملًا – إلى سوق المهن اليدوية. تعلّم الخراطة في معهد صناعي، ودخل شركة الجرّ والتنوير موظفًا في الكهرباء عام 1942، وظلّ ممسكًا بسلك الوظيفة حتى آخر يوم، كأنما أراد أن يبقى له جذر في حياة الناس العاديين لا تقطعه أضواء المسرح. من خشبة المدرسة إلى ميكروفون دمشقفي باحة «الكلية العلمية الوطنية» ظهرت موهبته الأولى. المسرح المدرسي لم يكن يومها ترفًا تربويًا؛ كان نافذة تطل منها دمشق على نفسها، وهناك وقف كعيكاتي يجرّب صوته وجسده أمام زملائه، في زمن كانت فيه الكلمة الملقاة على الخشبة توازي مقالًا سياسيًا في الصحيفة. من تلك العروض خرج مع رفاق له ليؤسس عام 1948 «نادي الفرقة السورية للتمثيل والغناء»، وقدّم معهم مسرحيات تحمل عناوين من لحم الحياة اليومية: «يا آخذ القرد على ماله»، «البخيل»، وأول ظهور لشخصية ستُسجَّل باسمه لاحقًا: «أبو فهمي». كانت عروض الفرقة تُقدَّم في البيوت الواسعة والمنتديات الأهلية، قبل أن يُفتح أمامها باب أوسع. تعرّف الشاب الدمشقي إلى المخرج تيسير السعدي، وهذا بدوره حمله إلى بيت فخري البارودي، السياسي الذي فهم مبكرًا أن معركة الوعي تحتاج إلى مسرح وميكروفون. من هناك دخل كعيكاتي إلى إذاعة دمشق مع طلائع المؤسسين أواخر الأربعينيات، ليس بوصفه موظفًا قارئًا للبيانات، بل ممثّلًا يحمل معه لهجة الحارة ومزاجها.ولادة «أبو فهمي»… الرجل الذي كان في الشارع قبل أن يصعد إلى الاستوديوفي الإذاعة، انتقل فهد كعيكاتي إلى «الفرقة السورية للتمثيل والموسيقى» مع أنور البابا، ثم إلى «نادي الفنون الجميلة». في تلك البيئة، حيث تختلط الأغنية بالمونولوج والاسكتش، أخذت ملامح شخصيته الكوميدية تتكوّن. كان هناك برنامج إذاعي ساخر اسمه «إصابة مشتبهة»، وفيه شخصية جانبية لرجل اسمه «أبو فهمي» أدّاها ممثل آخر، ثم اعتذر. حين تسلّم كعيكاتي الدور، لم يكتفِ بأن يقلّد ما سبق؛ أعاد صياغة الرجل من جديد. «أبو فهمي» في الأصل دمشقي بسيط، حريص على قرشه، يميل إلى الشحّ أكثر مما يميل إلى الكرم، لكن الفنان الشاب أضاف إلى هذه الصفات طبقة من الإنسانية الساخرة: حيلة الفقير، نكاته على السلطة، قلقه على لقمة عيشه، وكرامته التي لا يساوم عليها إلا تحت ضغط الحاجة. شيئًا فشيئًا، خرج «أبو فهمي» من النص الورقي وأصبح كيانًا مكتملًا يسير بين الأزقّة ويعود مساءً إلى الميكروفون. هكذا نشأ واحد من أوائل الثنائيات الذهبية في تاريخ الكوميديا السورية: أنور البابا في جانب، وفهد كعيكاتي في الجانب الآخر. عبر برامج متعاقبة وحلقات لا تُحصى، تحوّل الصوتان إلى ضيفين دائمين على موائد دمشق وحمص وحلب في الخمسينيات، يرسمان بالكلمات وحدها مشاهد كاملة، من دون ديكور ولا كاميرا.التلفزيون… حين رآه الناس بعد أن سمعوهعندما بدأ التلفزيون السوري بثّه عام 1960، لم يكن على القائمين عليه أن يبحثوا طويلًا عن وجوه الكوميديا؛ كانوا يعرفون أن «أبو فهمي» جاهز للانتقال من الأثير إلى الشاشة. تعاقد التلفزيون مع كعيكاتي على لوحات غنائية وتمثيلية، فكانت الشاشة الصغيرة، بالأسود والأبيض، تستقبل الرجل الذي حفظه الناس صوتًا، فإذا به يتحوّل أمامهم جسدًا بحركاته وحضوره وابتسامته. هناك تكرّس فهد كعيكاتي بوصفه واحدًا من المؤسّسين الأوائل للكوميديا التلفزيونية في سوريا. مع أواخر الستينيات، دخل مرحلة جديدة حين التقت تجربته بتجربة دريد لحّام ونهاد قلعي. في «حمّام الهنا» ثم «صح النوم» بدا أن الكوميديا السورية وجدت معادلتها الذهبية: نصّ يلامس السياسة من باب الاجتماع، وممثلون يحملون في ملامحهم خريطة المدينة. جسّد كعيكاتي في «صح النوم» شخصية «العريف أبو فهمي» مدير المخفر، قبل أن ينتقل الدور إلى عبد اللطيف فتحي، لكن الاسم ظلّ لصيقًا به في ذاكرة المشاهد، حتى صار اللقب سابقًا للاسم الحقيقي.على شاشة السينما شارك في أفلام أصبحت اليوم جزءًا من أرشيف الذاكرة البصرية العربية: «اللص الظريف»، «خياط للسيدات»، «شقة ومليون مفتاح»، أفلام كان فيها حضور «أبو فهمي» بمثابة نكهة إضافية تُغني الحكاية، حتى إن النقاد وصفوه أحيانًا بأنه «القاسم المشترك للأعمال الكوميدية السورية» في ذلك الزمن.ما بعد «أبو فهمي»… حين ينافس الفنان نفسهلم يكن فهد كعيكاتي أسيرَ شخصية واحدة، رغم قوة حضورها. في منتصف السبعينيات، قدّم في مسلسل «قصاقيص» إلى جانب سامية الجزائري شخصية جديدة، خرجت من عباءة «أبو فهمي» لكنها لم تتطابق معها، وحقّقت نجاحًا لافتًا كاد يهدّد هيمنة الشخصية الأصلية. كان ذلك دليلًا على أن الممثل قادر على إعادة اكتشاف نفسه داخل القالب ذاته، وأنه لا يكتفي بقناع واحد يضعه إلى الأبد. إلى جانب المسلسلات والبرامج، امتلأت قائمته بأعمال إذاعية وتلفزيونية عديدة: من «صندوق العجائب» و«سيد البيت» و«مسحّر رمضان» إلى «حكايا الليل» و«نبيه ونبهان»، ومن «مقالب غوار» و«من أيام الثورة السورية» إلى «حجر الطاحون» و«سفينة نوح». كان حاضرًا في كل مكان تقريبًا، لكن حضوره لم يتحوّل يومًا إلى استعراض؛ ظلّ ممثلًا يعرف حدوده، يترك مساحة لغيره ويكتفي بأن يكون «ملح الطبخة» حينًا وعمودها الفقري حينًا آخر.أسلوبه… ضحكة من لحم الحياةما الذي ميّز فهد كعيكاتي عن غيره من أبناء جيله؟ ربما كان الجواب في تلك المسافة الدقيقة التي عرف كيف يحافظ عليها بين النكتة والسخرية القاسية. ضحكته لم تكن فجة، ولا قائمة على تهريج مجاني؛ كانت قادمة من تفاصيل اليومي: من نقاش في دكان، أو مشادة في طابور الخبز، أو سوء فهم بين زوج وزوجة. لغته لغة الحارة الدمشقية، بلهجتها ومجازاتها، لكن خلفها وعيٌ بما تعنيه الكلمة حين تُقال على الهواء في بلد يحكمه حزب واحد وأجهزة كثيرة. «أبو فهمي» كان نموذج «الصغير الماكر»: الرجل الذي يعرف أن القانون لا يميل لصالحه، فيلجأ إلى الحيلة، وإلى الكلام الموارِب، وإلى التملّص من المواقف الحرجة. الجمهور وجد نفسه فيه: موظفًا يساومه المدير، مواطنًا يطارده جابي الكهرباء، أو أبًا يحاول أن يحمي بيته بوسائل متواضعة. لذلك لم تكن الضحكة التي يصنعها ضحكة على الشخصية، بل معها؛ يضحك الناس وفي قلبهم شيء من التعاطف.موظّف في الكهرباء… حتى وهو نجمرغم الشهرة الواسعة، ظلّ فهد كعيكاتي متمسّكًا بوظيفته في شركة الكهرباء. في زمن كانت الأجور الفنية فيه محدودة، ربما كان ذلك خيارًا اقتصاديًا؛ لكنه أيضًا كان موقفًا من الحياة: أن يبقى الرجل جزءًا من طبقة الموظفين الذين يركبون الباص صباحًا ويعودون مساءً، ثم يذهب ليلًا إلى الاستوديو ليقدّم ما عاشه نهارًا على شكل كوميديا. صورة «الموظف الفنان» هذه منحت أعماله صدقية إضافية؛ فهو لا يتحدّث عن الناس من علٍ، بل من صفّهم. في عام 1977 تلقّت حياته ضربة موجعة بوفاة ابنه فريد في مقتبل العمر، ويقال إن نوبة قلبية أصابته بعدها كانت الإنذار الأول. استمر في العمل رغم الألم، حتى جاء عام 1982، وكان يصوّر في دبي دور قاضٍ في مسلسل «الوحش والمصباح». هناك، بين لقطة وأخرى، باغتته الأزمة القلبية الثانية، فسقط الرجل الذي أضحك الناس لعقود، تاركًا خلفه أرشيفًا من الضحكات وبيتًا دمشقياً افتقد صوته إلى الأبد.إرث «أبو فهمي»… ذاكرة تطاردها ظلال جديدة مرّت العقود، وجاءت أجيال من نجوم الكوميديا حملت الأضواء إلى مساحات أوسع. خفت اسم فهد كعيكاتي في الذاكرة الشعبية، لكن الدولة نفسها عادت بعد سنوات لتضع صورته على طابع بريدي عام 2009، اعترافًا بأنه واحد من مؤسسي الكوميديا العربية المرئية والمسموعة. على منصّات التواصل اليوم، تعود مقاطع «حمّام الهنا» و«صح النوم» و«قصاقيص» إلى الواجهة، فيكتشف من لم يعاصره أن «أبو فهمي» لم يكن مجرد شخصية لطيفة، بل حجرًا أساسًا في بناء مدرسة كاملة من الضحك السوري. في نهاية المطاف، تبدو سيرة فهد كعيكاتي أقرب إلى حكاية بلدٍ بكامله: صبي من حارة فقيرة يتعلّم في الكتّاب، يُلقي أول نصوصه على خشبة مدرسة، يدخل الإذاعة مع جيل من الروّاد، يصبح وجهًا لمرحلة كاملة من التلفزيون العربي، ثم يرحل بهدوء من دون ضجيج. يبقى أن نتذكّر، ونحن نرى ضحكاته القديمة على الشاشات الجديدة، أن وراء «أبو فهمي» رجلًا عرف كيف يلتقط نبض مدينته، ويحوّله إلى ابتسامة لا تزال، حتى اليوم، قادرة على اختراق تعب السوريين.#سوريات_souriat#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم