مارتن هايدغر الذي طرح السؤال الأهم في الميتافيزيقا: “ما معنى الوجود..؟

مارتن هايدغر: مُفكّر “الكينونة” وناقد الوجود المبتذل مارتن هايدغر (Martin Heidegger) هو أحد أكثر الفلاسفة تأثيراً وإثارة للجدل في القرن العشرين. لا يمكن فهم الفلسفة الوجودية أو الظواهرية (Phenomenology) أو التفكيكية دون المرور بمشروعه الفكري الضخم. لقد أحدثت فلسفته تحولاً جذرياً في طريقة طرح السؤال الأهم في الميتافيزيقا: “ما معنى الوجود؟” …. مشروع هايدغر الأساسي: سؤال الوجود و”الدازاين”قبل الخوض في تفاصيل “الوجود الزائف”، يجب أن نفهم الهدف المركزي لفلسفة هايدغر. يرى هايدغر أن الفلسفة الغربية، منذ أفلاطون وأرسطو، وقعت في “نسيان الوجود”. لقد انشغلت بدراسة “الموجودات” (الأشياء، الكائنات، الظواهر) ونسيت سؤال “الوجود” (Being / Sein) نفسه؛ أي السؤال عن المعنى الذي يجعل من هذه الموجودات شيئاً موجوداً أساساً .للكشف عن معنى الوجود، اتخذ هايدغر منهجاً فينومينولوجياً (ظاهراتياً) يركز على الكائن الوحيد الذي يطرح هذا السؤال: الإنسان. لكنه لم يستخدم مصطلح “إنسان” أو “عاقل” بسبب حمولاته الفلسفية التقليدية، بل استخدم مصطلحاً جديداً هو “الدازاين” (Dasein) ، والذي يعني حرفياً “الوجود-هنا” . الدازاين هو الكائن الذي يتميز بأن وجوده “مكشوف” له؛ أي أنه كائن يهتم بوجوده، ويسأل عنه، وهو المنطلق الوحيد لاستكشاف معنى الوجود الكلي …. الوجود الأصيل مقابل الوجود الزائف (Das Man)من خلال تحليل الوجود الإنساني (“الدازاين”) في كتابه الرئيسي “الكينونة والزمن” (Being and Time)، وضع هايدغر تمييزاً حاسماً بين نمطين للوجود: الوجود الأصيل (Authenticity / Eigentlichkeit) والوجود غير الأصيل أو الزائف (Inauthenticity / Uneigentlichkeit) .· الوجود الزائف (Das Man): في حياته اليومية العادية، لا يكون “الدازاين” نفسه في أغلب الأحيان. إنه غارق، بل “ساقط” (Falling / Verfallen) في عالم “الآخرين”. لكن هؤلاء “الآخرين” ليسوا أشخاصاً محددين، بل هو كيان اجتماعي مبهم يسميه هايدغر “الهُم” أو “الهم” (Das Man) – وهو ما يمكن ترجمته بـ “المرء” أو “الضمير الغامض” . في هذا الوجود الزائف، يعيش الإنسان وفقاً لما “يُقال” وما هو “مقبول” و”متداول”. لا يفكر بقراره، بل يكرر “الثرثرة” (Idle Talk / Gerede) اليومية. إنه يقرأ ما يقرأه الجميع، ويستمتع بما يستمتع به الجميع، ويشعر بما يشعر به الجميع. هذا الانغماس في الوجود الجماعي يحرره من مسؤولية اختياراته، ولكنه يفقده ذاته الحقيقية . إنه هروب من مواجهة حقيقة وجوده الفردي. وصف هايدغر هذا السقوط في عالم “الهم” بأنه مرحلة “الوجود المُبتذل” حيث يظن الإنسان أنه يحيا حياة حقيقية بينما هو في قمة اغترابه عن ذاته .· الوجود الأصيل: على النقيض من ذلك، الوجود الأصيل هو أن “يختار” الإنسان نفسه. ليس معنى هذا أن ينعزل عن المجتمع، بل أن يواجه حقيقة وجوده الفردية دون أقنعة . ما الذي يجعل هذا الانتقال ممكناً؟ الإجابة عند هايدغر هي: القلق (Angst) . القلق الوجودي ليس خوفاً من شيء محدد (كخوف من حيوان مفترس). القلق هو حالة انكشاف مرعبة يجد فيها “الدازاين” نفسه وجهاً لوجه مع لا-معنى العالم، ومع حتمية موته . عندما يهرب الإنسان من القلق بالانشغال بالثرثرة اليومية، يبقى في الوجود الزائف. أما عندما يواجه القلق ويقبل حقيقة أنه “كائن للموت” (Being-towards-death)، فإنه يتحرر من أوهام “الهم” وينفتح على إمكانية العيش باختياره هو، وبالتالي يصل إلى “الوجود الأصيل” …. هايدغر وسارتر: قطيعة فلسفية ووصف “الروائي”العلاقة بين هايدغر وجان بول سارتر معقدة ومحورية في تاريخ الفلسفة. تأثر سارتر بشدة بهايدغر، واعتبر نفسه امتداداً لفلسفته في إطار ما سماه “الوجودية” . ولكن هايدغر رفض هذا التبني رفضاً قاطعاً.في عام 1945، نشر هايدغر “رسالة في الإنسانية” (Letter on Humanism) كرد مباشر على محاضرة سارتر الشهيرة “الوجودية هي إنسانية”. هنا وقعت “القطيعة” الفلسفية.لماذا رفض هايدغر سارتر؟1. اتهام سارتر بإعادة “ديكرته” الوجود: يرى هايدغر أن سارتر أساء فهم مشروعه الأساسي. سارتر جعل من “الذاتية” و”الوعي” نقطة الانطلاق في فلسفته، معبراً عنها بمقولته الشهيرة “الوجود يسبق الماهية”. هذا، بالنسبة لهايدغر، هو عودة إلى ميتافيزيقا ديكارت التي حاول هو تجاوزها. فهايدغر كان يحاول تفكيك ثنائية الذات والموضوع، وتجاوز فكرة “الأنا” المفكرة كمركز للكون، ليضع مكانها “الدازاين” المنغمس في العالم . أحد الباحثين يوضح أن سارتر أعاد صياغة هايدغر بشكل ديكارتي، وكأنه كان “غافلاً تماماً عن جهود هايدغر الشاملة لتقويض الثنائية الديكارتية” .2. الوجودية مقابل الأنطولوجيا الأساسية: الفلسفة التي يقدمها سارتر هي فلسفة “أخلاقية” عن الفعل الإنساني والحرية في عالم بلا معنى. أما فلسفة هايدغر، من وجهة نظره، فهي “أنطولوجيا أساسية” تسأل عن “حقيقة الوجود” نفسها، وليس عن وضع الإنسان في العالم. لذلك، اعتبر هايدغر أن مشروع سارتر يبقى سطحياً مقارنة بعمق السؤال الذي يطرحه هو .من هنا جاء الوصف الشهير (وإن كان قاسياً) لسارتر بأنه “روائي” وليس فيلسوفاً (بالمعنى الدقيق الذي قصده هايدغر). هايدغر لم يقصد بالضرورة الإهانة، بل كان يعبر عن رأيه بأن سارتر يصف الحالة الإنسانية وصفاً أدبياً رائعاً، لكنه لا يمارس “الفكر” بالمعنى الأصيل، أي التفكير في “الكينونة” ذاتها. لقد رأى في كتابات سارتر امتداداً للأدب الوجودي الباريسي الأنيق، وليس تعميقاً للبحث الفلسفي الألماني الصارم حول معنى الوجود …. خلاصةيبقى هايدغر فيلسوف “السؤال” الصعب، سؤال الوجود الذي طالما نسيناه. يظل تمييزه بين الحياة اليومية الزائفة تحت سلطة “الهُم” وبين الحياة الأصيلة التي تتطلب مواجهة الموت والقلق، من أكثر الأفكار إلهاماً في الفلسفة المعاصرة. أما خلافه مع سارتر، فيشكل نقطة تحول كشفت عن هوة عميقة بين الرؤية الألمانية للفلسفة بوصفها بحثاً في “الكينونة”، والرؤية الفرنسية (والوجودية عموماً) بوصفها تأملاً في “الحرية الإنسانية” والوضع البشري. وقد عبر هايدغر عن ذلك بوضوح عندما رأى في سارتر راوياً بارعاً لحالة الإنسان، ولكنه ليس مفكراً في “حقيقة الوجود” التي كانت الهاجس الوحيد لحياته الفلسفية … # المثقفون السوريون# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم