ماذا يقصد جون واطسون بمقولته “أعطني دزينة من الأطفال الأصحاء لأصنع منهم ما أريد”..؟

تحليل مقولة “أعطني دزينة من الأطفال الأصحاء لأصنع منهم ما أريد” لجون واطسونفي لحظة فارقة من تاريخ علم النفس، أعلن جون واطسون (John B. Watson) قطيعة منهجية مع كثير من الإرث الفلسفي والتحليلي الذي سبقه. لم يكن واطسون مجرد منظّر، بل كان رائداً لمدرسة سعت إلى إخراج علم النفس من نطاق “الاستبطان” (Introspection) و”اللاوعي”، ووضعه تحت مجهر القياس المعملي، مؤسساً بذلك لـ”المدرسة السلوكية” (Behaviorism).وتعكس مقولة واطسون الشهيرة تبنّيه الواضح للحتمية البيئية: “أعطني دزينة من الأطفال الأصحاء، ومحيطاً خاصاً بي لأربيهم فيه، وأنا أضمن لكم أن أختار أي واحد منهم عشوائياً وأدربه ليصبح المتخصص الذي أختاره: طبيباً، محامياً، فناناً، تاجراً، بل وحتى متسولاً أو لصاً، بغض النظر عن مواهبه، ميوله، قدراته، أو سلالة أسلافه”.تعبّر هذه المقولة عن تصور يقارب مفهوم “الصفحة البيضاء”، إذ يرى واطسون أن الإنسان لا يحمل معطيات قبلية أو غرائز أو حتمية جينية توجه مصيره بشكل جوهري. ومن وجهة نظره، فإن السلوك الإنساني هو في جوهره استجابة لمثيرات بيئية قابلة للضبط والتحكم والقياس. وعبر تطبيق قوانين “الإشراط الكلاسيكي”، اعتقد واطسون أن البيئة تمثل العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الشخصية.ولتوضيح هذه الفكرة تطبيقياً: إذا وُلد طفل بجينات تؤهله ليكون رياضياً، ثم وُضع في بيئة تعزز القراءة وتحدّ من النشاط الجسدي وتقرن الأنشطة الرياضية بمشاعر سلبية متكررة، فقد ينمو هذا الطفل، وفق هذا الطرح، ليصبح شخصاً أكثر ميلاً إلى الانعزال الفكري وتجنب الأنشطة البدنية. ووفقاً لهذا التصور، تمتلك البيئة دوراً حاسماً في توجيه مسار النمو، إذ يتحدد السلوك إلى حد بعيد عبر تاريخ التعزيز والاقتران الشرطي.وتتقاطع أطروحة واطسون السلوكية بشكل واضح مع المدرسة المعرفية الفطرية، وتحديداً مع أطروحات نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) في اكتساب اللغة. يرى واطسون، وامتداداً له سكنر، أن السلوكيات المعقدة كاللغة تُكتسب بشكل أساسي عبر الإشراط والتلقين البيئي والتعزيز. في المقابل، طرح تشومسكي نظرية “الفطرة اللغوية” (Nativism) بوصفها تحدياً جوهرياً لهذا الافتراض. يجادل تشومسكي بأن الأطفال يولدون مزوَّدين بـ”جهاز اكتساب اللغة” (LAD)، وهو بنية معرفية مسبقة التكوين تتيح للطفل فهم القواعد المعقدة للغة دون تلقين بيئي صريح شامل. ويطرح هذا التصور رؤية بديلة ترى أن العقل لا يقتصر دوره على استقبال المثيرات بشكل سلبي، بل يمتلك بنى معرفية فطرية تُسهم في تشكيل الاستجابة للبيئة.لقد دفعت مقولة واطسون علم النفس نحو مزيد من الدقة الموضوعية والمنهجية التجريبية، ورغم أن تبني الحتمية البيئية المطلقة قد تراجع لصالح نماذج أكثر تكاملاً تجمع بين العوامل البيئية والوراثية والمعرفية، فإن أثر هذه المقولة لا يزال حاضراً في النقاشات المتعلقة بسياسات التعليم والإعلام وتعديل السلوك حتى اليوم.#المدرسة_السلوكية #جون_واطسون#سالم يفوت#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم