لم يكن الطين مجرد مادة عضوية بل ذاكرة ،ومادة حيوية لصنع الحياة ..صحن سامراء النموذجي ساعة للتوقيت والفصول..

صحن سامراء… عندما تحوّل الطين إلى ذاكرة للزمن والسماء
غدا وموعدنا مع الانقلاب الصيفي في ٢١/٦ والذي سيكون بداية دخولنا في فصل الصيف رسميا حسب التوقيت العراقي الاصيل والقديم والذي سيمتد إلى ٢١/٩ .

في أعماق الذاكرة الحضارية لوادي الرافدين، لم يكن الطين مجرد مادة لصناعة الأواني، بل كان لغةً حملت أفكار الإنسان الأول، وحفظت رؤيته للكون والحياة والزمن. ومن بين تلك الشواهد الخالدة يبرز صحن سامراء الفخاري كواحد من القطع الأثرية التي تفتح أمامنا نافذة لفهم العلاقة العميقة بين الإنسان القديم والسماء.

هذا الصحن الذي يعود عمره إلى آلاف السنين، يقف شاهداً على أن أجدادنا لم يكونوا يرون العالم من حولهم بشكل عابر، بل كانوا يقرأون حركة الشمس والفصول ودورة الزمن، ثم يحولون تلك المعرفة إلى رموز نحتوها وزخرفوها على الطين والحجر.

وعند التأمل في بنية الصحن، نلاحظ دائرة زمنية تحمل رموزاً يمكن قراءتها كتقويم فلكي مبكر؛ فالخطوط الصغيرة تشير إلى تقسيمات الأيام، والدائرة الكاملة تختصر دورة الزمن، بينما تظهر رمزية الأشهر الاثني عشر من خلال الأسماك الاثنتي عشرة التي تسبح داخل هذا النظام الرمزي، في إشارة إلى دورة السنة وحركة الزمن.

أما تقسيم الدائرة إلى أربع جهات، فيحمل معنى الفصول الأربعة؛ حيث تظهر الطيور المائية، وهي من بيئة بلاد الرافدين وأهوارها وأنهارها، كرموز لحركة الطبيعة وتبدل المواسم، وكأنها شاهدة على انتقال الزمن من فصل إلى آخر.

كما أن الصليب أو التقسيم الرباعي داخل الصحن يمكن فهمه رمزياً باعتباره إشارة إلى:

الجهات الأربعة،

الفصول الأربعة،

العناصر الأربعة التي ارتبطت بفهم الإنسان القديم للكون.

وإذا تعمقنا أكثر في قراءة هذا العمل الفني، نجد أن الإنسان القديم قسم السنة إلى محطات فلكية كبرى مرتبطة بحركة الشمس:

الانقلاب الشتوي (21/12)

بداية دورة جديدة في التقويم الشمسي، وهو التوقيت الذي يرتبط في الذاكرة الإيزيدية بعيد شيشم وبداية مربعانية الشتاء.

الاعتدال الربيعي (21/3)

محطة التوازن بين الليل والنهار، ويرتبط ببداية الربيع وبمناسبات مثل نوروز / پيري بو.

الانقلاب الصيفي (21/6)

بداية مرحلة شمسية جديدة ودخول مربعانية الصيف، حيث تصل الشمس إلى أعلى مراحلها.

الاعتدال الخريفي (21/9)

مرحلة انتقالية بين الصيف والشتاء، وترتبط ببداية الزيارات الدينية (جما) ومواسم الحصاد وتقديم النذور والقرابين في أجواء جماعية على امتداد المناطق التي يعيش فيها الإيزيديون.

ومن هنا يمكن النظر إلى صحن سامراء ليس فقط كقطعة فخارية، بل كبوصلة زمنية رمزية، وساعة كونية مبكرة، حفظت فيها يد الإنسان القديم فكرته عن انتظام الكون ودورة الطبيعة.

لقد خرج هذا الصحن من تحت التراب بعد آلاف السنين، لكنه بقي ينتظر قراءة تنطلق من فهم ثقافة المنطقة وذاكرتها الرمزية. ومن هذا المنطلق جاءت هذه القراءة التي يقدمها الباحث في فلسفة التاريخ علو خلف الشرف، ضمن دراسة موسعة خصص لها فصلاً كاملاً في كتابه “الإيزيديون وذاكرة السومريين”، محاولاً تسليط الضوء على العلاقة بين الرموز القديمة، والتقويمات الفلكية، واستمرار حضور الذاكرة الرافدينية في الطقوس والمناسبات.

فقد لا يكون الطين صامتاً كما نعتقد…

فأحياناً يحمل الطين صوت أجدادنا، ويترك لنا رسالة تنتظر من يفك رموزها.

علو خلف الشرف سنجار ٢٠/٦/٢٠٢٦

#بابل بوابة الالهة#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم