تعتبر كوليت خوري قامة أدبية مميزة واستثنائية في المجال الثقافي العربي، تميزت بجرأتها وقلمها وبمناقشتها القيود الاجتماعية والأدبيه التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين. ولدت في دمشق عام (1931-2026م)، ونشأت في عائلة مثقفة، وهذا ما أعطاها أفقاً واسعاً يمزج بين رائحة الياسمين الدمشقية والحياة الوطنية والإنسانية.
بدأت مسيرتها الأدبية في زمن كان فيه صوت المرأة في الرواية العربية لايزال ضعيفاً، ونالت تعليماً في مدارس دمشق وبيروت، وحصلت على إجازة في الأدب الفرنسي، دراستها وإتقانها للغة الفرنسية أتاح لها الانفتاح على المدارس الأدبية الغربية وخاصة الوجودية، حيث كانت تسيطر على الفكر الثقافي، كتبت روايتها الأولى(أيام معه) عام (1959م)، فكانت عملاً أدبياً يحكي قصة حب، وإعلاناً عن ولادة بطلة تبحث عن ذاتها وحريتها بعيداً عن التسلط الذكوري، تميزت بالجرأة في طرح وإظهار المشاعر الإنسانية الصادقة، وهذا ما أعطى الرواية مميزات جعلتها تتصدر قائمة المبيعات، وتثير جدلاً في البيئة المحافظة والمتحررة على حد سواء.
ومن أعمالها أيضاً كروائية عززت مكانتها بقدرة فائقة على تحليل سايكولوجية المرأة العربية، حيث سمت روايتها (أدب البوح)، (ليلة واحدة) (1961م)، حيث بينت فيها أن هناك صراعاً لدى المرأة بين الواجب والرغبة، وبين الاستقرار والبحث عن المعنى، (أصعب موعد) عنوان لمجموعة قصصية بينت فيها تفاصيل الحياة الدمشقية الشامية بأسلوب شاعري حساس ورائع، (دمشق بيتي الكبير) هذا العمل الروائي الرائع وضحت فيه عشقها وحبها لمدينتها دمشق، حيث جعلت منها مكاناً محبباً لها وبطلة أساسية في نصوصها وفي روايتها.
كوليت خوري حفيدة فارس الخوري أحد أهم رجالات الاستقلال في سوريا، حملت أمانة توثيق الإرث الفكري لعائلتها المميزة بوطنيتها، قامت بجمع ونشر مذكرات جدها وقدمت قراءة تاريخية موضوعية مهمة لتاريخ سوريا الحديث، ومن المناصب التي شغلتها اكوليتب مستشارة أدبية في رئاسة الجمهورية العربية السورية، وعضوة مجلس الشعب لدورتين، مما يعني أن الأديب لا ينفصل عن الفكر والثقافة، ولا ينفصل عن قضايا وطنه فهما وجهان لعملة واحدة.
جمعت كوليت في فكرها الأدبي وتفاعلاتها الثقافية بين أجيال مختلفة ، فكانت ممراً يصل بين التاريخ القديم وبين جيل الشباب الباحث عن التجديد، لم تقتصر أعمالها على الرواية فقط بل شملت القصة القصيرة ، المذكرات، مثل (أنا والمدى، أوراق فارس الخوري)، حيث تعد قصص (أنا والمدى) نقلة نوعية في حياة كوليت خوري المهنية، فجسدت البحث عن الذات، وركزت على صراع المرأة المعاصرة لنيل حريتها، واعتبرت المدى رمزاً لآفاق الفكر والروح التي لا تحدها القيود التقليدية، وفي كتابها (أوراق فارس الخوري)، لم تكتف بدور المؤرخة بل اتخذت دور الوفاء لذاكرة رجل صنع تاريخ سوريا الحديث، لتقدم صورة حية عن كفاح جدها فارس الخوري الوطني ومواقفه العروبية الصلبة، لم تكن الأوراق مجرد سرد لأحداث ومواقف بل مرآة للتميز بالذكاء والدبلوماسية، مؤكدةً أن التاريخ هو نبض رجال لم يساوموا على استقلال أرضهم وكرامة شعبهم.
تتميز لغة كوليت خوري بالبساطة والانسياب، فكلماتها تنساب كجريان ماء عذب في نهر بردى الجميل، كتبت رواياتها باللغتين العربية والفرنسية وهذا ما منح عباراتها الصبغة العالمية، قالت كوليت خوري اأحب الكتابة لأن الكلمة هي وسيلتي الأساسية في حياتي لإثبات وجودي في عالم يعمل على تهميش صوت المرأة في كتاباتها القصصية دمجت بين الذاتي والعام، فالحب مندمج عندها مع القضية الوطنية، والحرية الشخصية هي المرتكز الطبيعي للحرية الفكرية ومنطلق لها، وصلت كوليت خوري إلى رتبة عالية من التقدير على المستويين المحلي والدولي خلال مسيرة حياتها الفكرية والأدبية، وحصلت على العديد من الأوسمة والجوائز، وذلك لتميز مسيرتها بنضارة قلمها رغم تعاقب الأجيال لأكثر من ستة عقود، فكانت ملهمة للعديد من الشابات اللواتي وجدن في تجربتها قدوةً للجرأة الفكرية.
تبقى كوليت خوري رمزاً للوردة الدمشقية التي لا تذبل، فهي من رموز المرأة السورية المثقفة، استطاعت أن توافق بين الحداثة والأصالة، علمتنا كوليت أن الرواية ليست حكاية فقط بل هي موقف من الحياة ورفض للجمود والتبعية، عندما نقرأ للكاتبة كوليت نستشعر نبض جيل كان يحلم بتغيير شكل العالم بالكلمة الصادقة المعبرة الجريئة مثل (أيام معه ذ ليلة واحدة)، هي شواهد حية على أن الأدب الحقيقي هو الذي يلامس الروح ويحرض العقل على التفكير إنها حقاً وردة دمشقية قلمها يحمل عطراً استطاع أن يعطر أرجاء الوطن العربي
#مجلة ايليت فوتو ارت


