شوية فلسفة اطلق على ” الوضعية المنطقية ” الطفل المدلل والمشاغب لفلسفة القرن العشرين ، واذا عدنا بالتاريخ لاكثر من مئة عام سنجد جماعة من الفلاسفة والعلماء يخوضون نقاشات حادة وجدالات حامية حول الدور الذي يجب ان تلعبه الفلسفة في مجال العلوم . كانت الوضعية المنطقية فكرة طورها موريس شليك والذي كان يعقد في بيته اجتماعا فلسفيا كل يوم خميس ، كان شيلك متخصص في علوم الفيزياء ، وتقدم للحصول على الدكتوراه برسالة بعنوان ” الضوء ” تحت اشراف ” ماكس بلانك ” صاحب نظرية الكم ، وعن طريق بلانك سيعقد توماس شليك صداقة متينة مع البرت اينشتاين ، الذي ادهشه كتاب شليك ” المكان والزمان في الفيزياء المعاصرة ” الذي صدر عام 1917 ، وسيلحقه بعد عام بكتابه ” النظرية العام للمعرفة ” الذي رسخ اسم شليك كواحد من فلاسفة العلم ، الأمر الذي دفع جامعة فينا لان تجلسه على كرسي الفيلسوف والفيزيائي الشهير ارنست ماخ الذي توفي اثر ازمة قلبية في التاسع عشر من شباط عام 1916 . في فينا سيلتقي موريس شليك بفيلسوف مشاغب آخر اسمه رودلوف كارناب ، وكانا الاثنان يجلسات لساعات طويلة يتناقشان في فلسفة لودفيغ فتغنشتين الذي كان في تلك السنوات يمثل صورة الفيلسوف المحبط حيث قرر ان يترك عائلته ليصبح معلماً في احدى المدارس الابتدائية. وانتقل عام 1920 الى قرية جبلية في أطراف النمسا ليهرب من العالم ، ويؤكد بعض كتّاب سيرة فتغنشتاين ان فترات الانعزال في حياته ، ربما كانت بسبب ميوله الجنسية المتقلبة ونراه يكتب الى شقيقه قائلا : ” اصبحت الامور تعيسة في الآونة الأخيرة .. فقط بسبب حساسية تعففي ، لقد فكرت دائما بانهاء حياتي ، ولا تزال تلك الفكرة تراودني الآن ، لقد غرقت حتى القاع ” ، وليحرم نفسه من الاستسلام للغواية والملذات ، قرر ان يمنح نصيبه الكبير من ثروة والده المتوفى الى اشقائه ، ولم يكن برتراند رسل معجبا بهذا الزهد والتخلي عن الثروة وقد قال له :” مليونير ويعمل معلما في قرية ، بالتاكيد مثل هذا الشخص اما منحرف او أحمق ” .يمضي فتغنشتاين ست سنوات في وظيفة معلم القرية ، قطعها عام 1926 بشكل مفاجىء ، ليعود الى فيينا حيث احتفت به ” جماعة فيينا ” التي اعتبرت كتابه ” الاطروحة ” لوحاً فلسفيا مقدسا ، وكان موريس شليك ينتظر بشغف حضور فيلسوفه الكبير ، لكنه خيّب امله حيث ذهب ليعمل بستانياً في احد الاديرة قرب فيينا ، وعندما حضر فتغنشتين اجتماعات جماعة فينا لم يرقَ له أعضاء الجمعية الذين وجدهم سوقيين ويلبسون بشكل سيء.كانت جماعة فينا قد اعادت الاعتبار الى فلاسفة اعتبرتهم رواد في الوضعية المنطقية امثال ديفيد هيوم واوغست كونت الذي كان يرى ان العلم هو الصورة الوحيدة للمعرفة البشرية ، فمعيار العقل الوحيد عنده هو العلم ، وكان يرفض اعتبار اللاهوت او الميتافيزيقا ميادين للمعرفة ، فالعالم الذي يصفه العلم هو العالم الوحيد الموجود ، وهو يرى ان مسائل الدين والأخلاق يجب ان تخضع لمعايير العلم .وقد أيقن كونت ان فلسفته تنطوي على أسس لعقيدة جديدة للبشرية وأنها هي وحدها الملائمة في نظره لعقل البشر في عصر علمي ، فالأديان التقليدية تقتضي قبول معتقدات لاهوتية غير علمية ، وارنست ماخ ، واضافوا للقائمة فيما بعد جيرمي بينثام وماركس ، وبدأت الجماعة باصدار مجلة باسم ” المعرفة ” ، لكن جماعة فينا ستصاب بهزة عنيفة اثر مقتل مؤسسها موريس شليك على يد طالب كان قد تقدم باطروحة في علم الاخلاق ورفضها شليك ، وبعد فترة ستواجه الجماعة مضايقات من الاجهزة الامنية التي كانت تراقب نشاطها ، فتوجه عددا من اعضاء الجمعية للاستقرار في امريكا وكان ابرزهم رودلوف كارناب الذي يصفه زكي نجيب محمود بانه من اهم شخصيات الوضعية المنطقية ، فهو استطاع ان يترجم اهداف هذه الفلسفة من خلال كتابة ” البناء المنطقي للعالم ” – ترجمه الى العربية يوسف تيبس – صدر عام 1928 والذي يمثل اول كتاب موسع لكارناب وضع فيه تصوراته الفلسفية ونجد ان مهمة الكتاب تتلخص مهمة في مسألتين : الاولى هي تعليل المعرفة العلمية من خلال اعادة بنائها عقلانيا ، والثانية هي اقصاء الفكر الميتافيزيقي من مجال المعرفة .. وطبقا لكارنب فان الفلسفة الوضعية المنطقية مهمتها تحليل كل المعرفة ، وكل تاكيدات العلم والحياة اليومية .ولد رودلوف كارناب في الثامن عشر من ايار عام 1891 ، لعائلة غنية ، كان والده قبل ان يملك مصنعا ، يعمل حائكا ، استطاع بمهارته ان يصبح واحدا من الصناعيين في مدينة رونسدورف الالمانية ، وكان الاب الشديد التدين يخير ابنه بين ان يصبح قسا او يعمل معه في المصنع ، لكن الام التي كانت قد حصلت على تعليم جيد قررت ان تنمي قدرات ابنها من خلال الكتب التي كانت تشتريها له ، ويتذكر كارناب انه امه كانت مغرمة برحلات جلفر التي كتبها جوناثان سويفت، في كل مساء تطلب من ابنها ان يقرأ هذه الرحلات لينمي خياله ، تلقى في طفولته تعليما برجوازيا ، بعدها درس في جامعة فرايبورغ متخصصا في الفيزياء والرياضيات ، وكان ينوي كتابة اطروحة عن الفيزياء ، إلا ان قراءته المتأنية لكتاب ايمانويل كانط ” نقد العقل المحض ” جعله يقرر ان يتوجه الى الفلسفة ويحد نفسه تحت تاثير برتراند رسل :” تاثرت كثيرا برسل ، وانحصر هدفي في ذلك الوقت في تحليل المفاهيم العلمية مستعينا بتطبيق المنطق الحديث ” . قال انه لم يكن يدور في ذهنه ان يؤسس حركة فلسفية ، يقدم اطروحته للدكتوراه بعنوان ” المكان . محاولة للاسهام في نظرية العلم ، بعدها سيتفرغ لكتابة مؤلفه الكبير ” البناء المنطقي للعالم ” الذي ما ان انتهى منه حتى وضعه في حقيبة وقرر ان يعرضه على جماعة فينا التي وجدها تبالغ في تقدير لودفيغ فتغنشتين حسب قوله ، وحين التقى بالفيلسوف النمساوي لم يعجبه شروده ، ولم يترك تاثيرا عليه :” كان تاثير فتغنشتين قليلا ، فقد سبق لي القول انني مدين بالكثير لبرتراند رسل ” ، عام 1935 تلقى عرضا للتدريس في جامعة شيكاغو ، حيث سيستقر في امريكا هربا من ملاحقة النازيين له ، وقد اصدر في تلك السنوات عددا من الكتب اهتمت بدراسة علم اللغة من ابرزها ” مقدمة في علم المعاني ” الذي نشر عام 1942 وكتاب ” الصياغة الصورية للمنطق ” ، بعدها عاد لموضوعه المهم فلسفة العلوم فاصدر كتاب ” الاسس المنطقية للاحتمال ” وكتاب “أسس المنطق والرياضيات ” ، اعتزل التدريس عام 1961 ، لكنه واصل القاء المحاضرات حتى وفاته في الرابع عشر من ايلول عام 1970 . في مقال لبرتراند رسل بعنوان ” فلسفة القرن العشرين ” يقول إنه في عام ١٩٠٠م بدأت الثورة على المثالية الألمانية بعملاقيها كانط وهيغل، والتي مثلت قوة طاغية إبان القرن التاسع عشر، موازيةً لفلسفة العلم وللفلسفة العلمية ومحتلة لأراض على حسابهما..هكذا جعل الوضعيون المنطقيون العلم هو النشاط العقلي الأوحد، الذي ينقسم بين فئتين ، فئة العلماء الذين يقومون بجمع المعلومات ووضع النظريات، ثم فئة فلاسفة العلم الذين يقومون بتحليلات منطقية تساعد على تقدم العلم وازدهاره. قد يقوم العالم نفسه بهذه التحليلات، وفي هذه الحالة سوف يصبح فيلسوفًا بعد أن كان عالما، أو يصبح ” العالم – الفيلسوف ” بالمفهوم الوضعي المنطقي للفلسفة الذي يعني المطابقة بينها وبين التحليل المنطقي للعلم، فتغدو الفلسفة بأسرها علمية، ولا يعود ثمة متسع للميتافيزيقي السابح في أجواء الغيبيات ، أو الأخلاقي الحالم بمجتمع الفضيلة أو السياسي الباحث عن اليوتوبيا أو الجمالي الهائم في العالم الخلاب.
#علي حسين#مجلة ايليت فوتو ارت ..


