لغة الإشارة لغة الإنسانية .. جذورها التاريخية وكيف يفكر الصُم

كتبت: د. إيمان بشير ابوكبدة

في عالمٍ يفيض بالأصوات والكلمات، يعيش الملايين ممن لا يسمعونها، لكنهم يتحدثون بلغة مختلفة — لغة الإشارة، اللغة التي تُترجم الصمت إلى تواصل نابض بالحياة، وتحوّل الإيماءة إلى جملة، والنظرة إلى حوار.

لغة بصرية تعبّر عن المشاعر والأفكار.

لغة الإشارة ليست مجرد حركات عشوائية باليدين، بل هي نظام لغوي متكامل له قواعده ومفرداته الخاصة، يعتمد على حركات اليدين، وتعبيرات الوجه، ووضعية الجسد.

ومن خلالها يتمكّن الصم وضعاف السمع من التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بوضوح وحرية.

كل دولة أو منطقة طوّرت إشارتها الخاصة، مثل اللغة العربية للإشارة في العالم العربي، واللغة الأمريكية للإشارة (ASL) في الولايات المتحدة، وغيرها من اللغات المحلية.

. جذور تاريخية للغة الإشارة

تعود بدايات استخدام لغة الإشارة إلى قرون مضت، إذ وُجدت إشارات بدائية في المجتمعات القديمة، لكنها لم تتطوّر إلى نظام لغوي منظم إلا في القرن السابع عشر.

ويُعدّ الراهب الإسباني خوان بابلو بونيت من أوائل من وضعوا منهجًا لتعليم الصم القراءة والكتابة باستخدام الإشارات.

لاحقًا، ظهرت أول مدرسة للصم في فرنسا على يد شارل ميشيل دي لابي، ومنها انطلقت اللغة الفرنسية للإشارة التي ألهمت لغات إشارات كثيرة حول العالم.

. وسيلة دمج اجتماعي وثقافي

تُعد لغة الإشارة أداة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، فهي تمنحهم حقهم الطبيعي في التواصل والتعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.

في المدارس، تسهم في تحسين التحصيل الدراسي للأطفال الصم، وفي الإعلام تساعد على نقل الأخبار والمعلومات بلغة يفهمونها.

كما أصبحت بعض الجامعات العربية تُدرّس لغة الإشارة ضمن برامجها الأكاديمية، ما يعزز دمج هذه الفئة في المجتمع الثقافي والمهني.

. اللغة والإدراك.. كيف يفكر الصم؟

تشير الدراسات الحديثة في علم الأعصاب إلى أن لغة الإشارة تنشّط مناطق الدماغ نفسها التي تُستخدم في فهم اللغات المنطوقة، ما يؤكد أنها ليست بديلًا بسيطًا عن الكلام، بل لغة متكاملة تُغذّي التفكير والإبداع.

كما يُظهر مستخدمو لغة الإشارة مهارة عالية في قراءة لغة الجسد والتعبيرات الوجهية، مما يمنحهم قدرة فريدة على التواصل الإنساني العميق.

. التكنولوجيا في خدمة الصم

أحدثت التكنولوجيا الحديثة ثورة في حياة الصم، فظهرت تطبيقات تترجم الكلام إلى إشارة والعكس، ونظارات ذكية تعرض الترجمة الفورية أثناء الحوار.

كما طوّرت بعض المنصات مثل SignAll وHandTalk تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتعليم لغة الإشارة وتحسين التواصل في بيئات العمل والتعليم.

. تحديات وواقع يحتاج إلى وعي

رغم التقدّم، لا يزال ضعف الوعي المجتمعي يمثل عائقًا أمام اندماج الصم في الحياة اليومية.

قلة المترجمين المعتمدين، وضعف توفر خدمات الترجمة في المؤسسات العامة، كلها تحديات تعيق التواصل.

لكن مبادرات الشباب، والمنصات الرقمية، بدأت تلعب دورًا مهمًا في نشر ثقافة لغة الإشارة وتعليمها للجميع.

. منابر الإعلام ودورها في التوعية

بدأت العديد من القنوات العربية والعالمية بإضافة مترجم لغة الإشارة في نشراتها وبرامجها الإخبارية، وهو إنجاز يُسهم في تحقيق مبدأ “الإعلام الميسر للجميع”.

لكن هذه الخطوة ما تزال تحتاج إلى تعميم أكبر، بحيث تشمل البرامج الثقافية والترفيهية والتعليمية أيضًا، لضمان وصول المعلومة إلى الجميع بلا استثناء.

. نحو مجتمع أكثر شمولًا

تعليم لغة الإشارة في المدارس لا يفيد فقط الأطفال الصم، بل يعزز لدى جميع الطلاب قيم التفاهم والتعاون والتسامح.
إن نشر هذه اللغة بين أفراد المجتمع يعني فتح نافذة جديدة للتواصل الإنساني، وبناء عالم لا يُقصي أحدًا بسبب اختلاف قدراته.

. لغة الإشارة… لغة الإنسانية

لغة الإشارة ليست لغة الصم وحدهم، بل هي لغة الإنسانية، لأنها تُعلّمنا أن التواصل لا يحتاج إلى صوت، بل إلى نية صادقة وفهم متبادل.

إنها دعوة مفتوحة لأن نتعلّم بعض إشاراتها، فكل إشارة نتقنها هي خطوة نحو عالمٍ أكثر شمولاً وتفاهماً، حيث لا يُغلق الصمت بابًا، بل يفتح ألف طريق نحو القلوب.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم