كِذْبَةُ أَبْرِيلَ فِي مِيزانِ الشَرِيعَةِ .. بَيْنَ مَزالِقِ الهَزْلِ وَمَقاصِدِ الطَبِيعَةِ

بقلم د.نادي شلقامي

الحمدُ لله الذي جعل الصدقَ مَعقِدَ النجاة، ونصبَ الكذبَ مَقادةَ الردى والشتات، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، جعل الصادقين في كنفِ رُعايته، وأقصى الكاذبين عن سِياجِ ولايته، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، الذي طهّر الجَنانَ من أدرانِ الظنون، وعصمَ اللسانَ من لغوِ الفُتون، فكان في جِدّهِ مَناراً، وفي هزلِهِ وقاراً، لا يَنطقُ إلا بالحقّ صِدقاً، ولا يَهدي إلا إلى البرّ رِفقاً، وإنه مع مَطالعِ شهرِ أبريل، تشرئبُّ أعناقُ البعض إلى استعارةِ ألسنةِ الإفك، وتنساقُ خطى الغافلين إلى حبايلِ الوهم؛ فيما يُسمونه بـ “كذبةِ أبريل”؛ ظناً منهم أن الهزلَ يبيحُ المحظور، وأن المزاحَ يرفعُ عن الكذبِ مقتَ الزور، وما دَروا أن الكذبَ بذرُ النفاق، وسوسُ الأخلاق، وشرارٌ يطيرُ في الآفاق، فيُحيلُ الثقةَ هباءً، ويُبدلُ المروءةَ جفاءً، لذا يأتي هذا التقريرُ رصيناً، ليستبينَ الحقَّ يقيناً، وينظرَ في هذه الظاهرةِ بعينِ الشريعةِ القويمة، والفطرةِ السليمة، والخبرةِ الحكيمة؛ ليكونَ للمسترشدِ دليلاً، وللعاقلِ سبيلاً، متمحوراً حول العناصر الآتية:

أولاً….دينيا… الكذب محرّم ولو كان مزحة

1- موقف دار الإفتاء المصرية (رأي الإفتاء)

— أصدرت دار الإفتاء المصرية.. وهي المؤسسة الدينية الرسمية العليا للفتوى في مصر.. تحذيراً واضحاً من الاحتفال بـ “كذبة إبريل” أو المشاركة فيها.

— جاء في فتواها لعام 2026 تأكيد على أن “المسلم لا يكون كذَّابًا حتى ولو على سبيل المزاح؛ فالكذب متفق على حرمته، والترويج للكذب أشدُّ حرمة”.

— وفي مداخلة هاتفية ببرنامج “مع الناس” على قناة الناس، أوضح الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن مصطلح “كذبة إبريل” غريب عن القيم الإسلامية ولا يمت لهويتنا بصلة، مشدداً على أن النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية جاءت واضحة في الحث على الصدق والنهي عن الكذب.

2- الأدلة الشرعية على تحريم الكذب (حتى في المزاح)
استشهدت دار الإفتاء بعدة أدلة شرعية، منها:

أولاً.. من القرآن الكريم

– قوله تعالى: “فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ” (الأنعام: 144).

– قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ” (التوبة: 119).

ثانياً.. من السنة النبوية

– عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “مِن علاماتِ المُنافِق ثلاثةٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ” (رواه مسلم).

– عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ! وَيْلٌ لَهُ!” (رواه الترمذي).

– عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: “عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا” (رواه مسلم).

3- مفهوم المزاح وحكمه في الإسلام

— المزاح: هو الدُّعابة ونقيض الجد؛ فهو كلامٌ يراد به الانبساط مع الغير على جهة التَّلطُّف والاستعطاف دون أن يُفضي إلى إيذاء أحد.

— وقد كان النبي ﷺ يمزح مع أصحابه وأهله، لكنه لا يقول إلا حقاً. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال: “أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ” (متفق عليه). والنغير طائر صغير كان يلعب به الصبي.

— قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: “المزاح لا شك أنه يشرح الصدر، ويوجب الأنس، ويدخل السرور، وكان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، فإذا كان للمزاح حقاً، فهو مطلوب… وأما المزاح الكذب الذي يكذب الإنسان من أجل أن يضحك القوم فقط، فقد قال النبي ﷺ: (ويل لمن حدث وكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له)، وهذا يدل على تحريمه”.

— وقال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله: «لا يجوز للمسلم ولا للمسلمة الكذب ولو في المزح، يقول النبي ﷺ: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له» هذا وعيد شديد، فالواجب الحذر من ذلك في الجد والمزح جميعاً».

— فالمزاح المباح هو ما كان حقاً لا كذباً، وأما المزاح بالكذب فهو من أخلاق المنافقين، والمسلم بريء منه.

4- حكم المشاركة في كذبة إبريل

— بناء على ما سبق، فإن المشاركة في كذبة إبريل – التي تقوم على الكذب والخداع – محرمة شرعاً للأسباب التالية:

1- الكذب محرّم في كل الأحوال، في الجد والهزل، فلا يجوز بحجة المزاح.

2- الترويج للكذب أشد حرمة من مجرد فعله.

3- التشبه بأعداء الدين في عاداتهم وأعيادهم داخل في حديث: “من تشبه بقوم فهو منهم”.

4- ما يسمى بـ “الكذبة البيضاء” ليس له وجود في الإسلام، فالكذب كله مرفوض، باستثناء حالات محدودة جداً مثل الإصلاح بين الناس أو التورية لدفع ضرر، وهي أمور لا علاقة لها إطلاقاً بالشائعات أو ما يُسمى بكذبة أبريل.

ثانياً: تاريخيا…. أصل القصة بين الروايات المتعددة

1- النظرية الأكثر شيوعاً: تغيير التقويم

— يُعتقد أن أصل هذه العادة يعود إلى عام 1582م عندما قدم البابا غريغوري الثالث عشر التقويم الغريغوري ليحل محل التقويم اليولياني القديم.

— في التقويم اليولياني القديم، كان العام الجديد يبدأ في الأول من أبريل تقريباً، ولكن مع التقويم الجديد أصبح العام يبدأ في الأول من يناير.

— لم تكن الأخبار تنتشر بسرعة في تلك الأيام، فاستمر بعض الناس في الاحتفال بالعام الجديد في الأول من أبريل وفقاً للتقويم القديم، فتعرضوا للسخرية والتهكم، وأُطلق عليهم لقب “كذبة أبريل”. انتشرت هذه العادة بسرعة في فرنسا ثم إلى بقية أوروبا، واستمرت على مدى الخمسمائة عام الماضية.

2- نظريات أخرى عن الأصل

— مهرجانات هيلاريا الرومانية: يربط بعض المؤرخين يوم كذبة أبريل بمهرجانات “هيلاريا” (Hilaria) التي تعني باللاتينية “الفرح”، وكان يحتفل بها في روما القديمة في نهاية شهر مارس، حيث كان الناس يرتدون أزياءً تنكرية ويسخرون من بعضهم البعض ويلعبون الألعاب.

— مهرجانات الربيع: يأتي هذا اليوم في أعقاب مهرجان هولي الهندي، ومهرجان سيزداه بيدار الفارسي، وعيد المساخر اليهودي (بوريم)، ومن المثير للدهشة أن هذه المهرجانات الثلاثة في أوائل الربيع تتضمن أشكالاً مختلفة من المرح.

— قصة “غسل الأسود”: أقدم “كذبة أبريل” مسجلة تعود إلى عام 1698 في إنجلترا، إذ دُعي الناس في لندن لمشاهدة الحفل السنوي لغسل الأسود في منطقة برج لندن، وبالفعل ذهب كثيرون إلى المكان، لكن لم يكن هناك أي أسود لكي تجري عملية غسلها، فالأمر مجرد كذبة. والغريب أن البعض صدّق الأمر وصاروا يترددون على المنطقة في نفس الموعد عاماً بعد آخر.

3- خلاصة النظرية التاريخية

الواقع أن كل هذه الأقوال لم تكتسب الدليل الأكيد لإثبات صحتها، فالأصل الدقيق لكذبة إبريل لا يزال مجهولاً وغير مؤكد. ولكن المؤكد أن هذه العادة هي تقليد أوروبي قائم على المزاح، انتشر على نطاق واسع في إنجلترا بحلول القرن السابع عشر الميلادي، ثم إلى باقي دول العالم. وفي فرنسا يُطلق على ضحية الكذبة اسم “سمكة أبريل”، وفي اسكتلندا “نكتة أبريل”.

ومع أن الأصل الأوروبي واضح، إلا أن بعض الروايات تربطها بمهرجانات الربيع القديمة كـ«هيلاريا» الرومانية، وهي تقليد وثني لا يليق بالمسلم أن يُحييه. أما في ديار الإسلام، فإن انتشارها اليوم إنما هو تقليد أعمى للثقافة الغربية، يتنافى مع قول النبي ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم».

ثالثاً..إجتماعيا….الكذب كظاهرة مجتمعية

1- انتشار الظاهرة وأسبابها

تنتشر كذبة إبريل في المجتمعات العربية والإسلامية عبر:

— وسائل الإعلام: بعض الفضائيات والمواقع الإلكترونية تروج لـ “أخبار” كاذبة في هذا اليوم بحجة الدعابة، وقد شاركت صحف ومحطات إذاعة وتلفزيون ومواقع إلكترونية مرموقة في هذا التقليد بنشر ادعاءات خيالية خدعت جمهورها.

— وسائل التواصل الاجتماعي: حيث تُنشر الأكاذيب والمزاح بسرعة فائقة، وقد تتحول الكلمة إلى شائعة قد تصل إلى ملايين الأشخاص.

— التقليد الأعمى: للثقافات الأخرى دون مراعاة للضوابط الشرعية والأخلاقية.

2- الآثار الاجتماعية السلبية

— هدم الثقة الاجتماعية:

الكذب المتكرر يهدم الثقة التي هي رأس المال الحقيقي للعلاقات الإنسانية. فالكذاب لا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه.

— إشاعة البلبلة والذعر:

بعض “المزاح” قد يصل حد نشر أخبار مفزعة تسبب الذعر للناس. وقد حدث في رومانيا أن نشرت إحدى الصحف خبراً عن انهيار سقف محطة قطار على مئات المسافرين، مما سبب هرجاً وذعراً شديدين قبل أن تكتشف الصحيفة أنها نشرت الخبر في أول أبريل.

— تطبيع الكذب:

جعل الكذب “تقليداً سنوياً” يمرره للصغار على أنه شيء عادي ومقبول، فيتربى الجيل الجديد على أن الكذب مباح في بعض الأيام.

— إهدار الجدية: تحويل المجتمع إلى ساحة لهزل يفقده القدرة على التفريق بين الجاد والهازل.

— محق البركة:

الكذب يمحق البركة وينقص الرزق، كما قال النبي ﷺ: “البَيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفَرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنَا بورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كتَمَا وكذَبَا مُحِقَت بركةُ بيعِهما”.

رابعاً… نفسيا … دوافع الكذب الهازل وآثاره

1- الدوافع النفسية للمشاركة في كذبة إبريل

من يمارس هذا التقليد قد يكون مدفوعاً بدوافع نفسية منها:
— الرغبة في جذب الانتباه:

حيث يشعر بعض الناس أنهم “مهمشون” في محيطهم، فيلجؤون إلى الكذب المضحك ليصبحوا محط الأنظار ولو للحظات.

— التعويض عن الإحباط:

الكذب على الآخرين قد يكون وسيلة للانتقام غير المباشر أو التفوق الوهمي.

— التوافق الاجتماعي المغلوط:

الخوف من أن يكون “الوحيد” الذي لا يشارك في هذا التقليد.

2- آثار الكذب الهازل على النفس البشرية

— تخدير الضمير: تكرار الكذب ولو في المزاح يضعف إحساس الفرد بخطورة المعصية، فيسهل عليه الانتقال إلى كذب أكبر.

— فقدان المصداقية: “من كثر كذبه قل صدقه” – وهذه حقيقة نفسية واجتماعية. فالكذاب لا يُفلح أبداً.

— إيذاء الآخرين:

قد تكون النكات مؤذية لنفسية المخدوع، خاصة من كان حساساً أو يعاني من قلق. وقد حدثت مآس باكية بسبب كذبة أبريل، ففي لندن اشتعلت النيران في مطبخ إحدى السيدات فخرجت تطلب النجدة، ولم يحضر أحد لنجدتها إذ كان ذلك اليوم صباح أول أبريل.

— فساد التصور:

الكاذب يُصوّر المعدوم موجوداً، والموجود معدوماً، والحق باطلاً، والباطل حقاً، والخير شراً، والشر خيراً، فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له.

3- الفرق بين روح الدعابة السليمة والكذب

— الدعابة السليمة في الإسلام موجودة، فقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. وقد سئل الصحابة: أتُمازحنا يا رسول الله؟ قال: “نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً” . فالفرق بين المزاح الشرعي وكذبة إبريل هو أن الأول لا ينطوي على إخبار بالخلاف الواقع، بينما الثاني قائم عليه.

— قال النووي رحمه الله: “المزاح المنهي عنه، هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله”.

خامساً….أدبيا.. الكذب في الأدب بين القبح والجمال

1- الكذب في التراث الأدبي العربي

التراث العربي القديم فيه نصوص كثيرة تذم الكذب وتمدح الصدق.

يقول الشافعي رحمه الله:

ولم أَرَ في عُيوبِ الناسِ عَيباً | كَفُقرِ القَومِ في صِدقِ الحَديثِ

ويقول آخر:

وما ضَرَّ امرأً صِدقٌ أَتاهُ | وإن عَظُمَتْ به الأحداثُ يَوماً

— أما الذين تغنوا بالكذب على سبيل الهزل، فكان ذلك في سياقات أدبية صريحة لا تدعو إليه، بل تكشف عن قبحه.

فالأدب الرفيع يُربّي على الصدق. وقال أبو العلاء المعري:

لا تَحْلِفَنَّ على صِدْقٍ وَلا كِذْبٍ
فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَدِّ الْحَلْفَ بِاللَّهِ

وقال آخر:

والصِّدْقُ يَأْلَفُهُ الْكَرِيمُ الْمُرْتَجَى
وَالْكَذِبُ يَأْلَفُهُ الدَّنِيءُ الأَخْيَبُ

2- أشهر المقالب في التاريخ (عبرة وعظة)

شهد التاريخ العديد من المقالب التي كشفت خطورة الكذب حتى في سياق المزاح:

— خدعة المعكرونة (1957): أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن المزارعين السويسريين يشهدون محصولاً قياسياً من معكرونة السباغيتي، وعرضت لقطات لأشخاص يحصدون المعكرونة من الأشجار، وخدعت هذه الكذبة الكثيرين.

— خدعة سرقة الخزانة (1905): نشرت صحيفة ألمانية خبراً مفاده أن اللصوص حفروا نفقاً أسفل مبنى وزارة الخزانة الأميركية وسرقوا كل الذهب والفضة منه بقيمة 268 مليون دولار، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم وأعادت نشره العديد من الصحف في أوروبا وأميركا.

— خدعة سباق التسليح (2021): بعد جنوح سفينة “إيفر غيفن” في قناة السويس، اختارت صحيفة “الغارديان” البريطانية الترويج لتقرير عن إنشاء “قناة بديلة” لقناة السويس، في إطار كذبة أول أبريل.

3- خدع علمية استمرت لسنوات

عبر التاريخ، تعدى الخداع المقالب البسيطة المرتبطة بكذبة أبريل، حيث ارتدى الخداع حلة علمية مزيفة جعلت بعض الخدع حقيقة لسنوات قبل أن يُكتشف زيفها:

— إنسان بلتداون (1912-1953): تم الإعلان عن اكتشاف جمجمة وعظام فك في إنجلترا، قيل إنها تعود إلى “الحلقة المفقودة” بين الإنسان والقرد. وبعد عقود، وتحديداً في عام 1953، أُعلن أن الاكتشاف كان خدعة، وأن العظام كانت مزيجاً من جمجمة بشرية حديثة وفك قرد.

— عملاق كارديف (1869): نفذ جورج هال خدعة بإنشاء تمثال جبس عملاق ودفنه، مما دفع الناس إلى الاعتقاد بأنه عملاق متحجر. استغلت الخدعة المعتقدات الدينية وشغف الجمهور بما هو غير مألوف.

— أسطورة بيغ فوت: تعود إلى المخادع راي والاس، الذي ابتكر آثار الأقدام الأصلية. وكانت هذه الخدعة، على عكس غيرها، مدفوعة بالتسلية لا بالربح أو الشهرة.

4- السجع والبلاغة في معالجة الظاهرة

للكاتب الذي يريد أن يصوغ هذا الموضوع بأسلوب أدبي رصين، يمكن أن يعتمد على المحسنات البديعية والصور البيانية:

· الجناس: كذبةُ إبريلَ من إبْرارِ الكذبِ أم من إبْطاله؟

· الطباق: هزلٌ يلبسُ ثوبَ الجِدِّ، وكذبٌ يتَسَتَّرُ برداء الصدق.

· الاستعارة: كذبة إبريل سهمٌ مسمومٌ يُطلقُه الهازلُ ليُصيبَ به ثقةَ الغافل.

5- النقد الأدبي للظاهرة

— من منظور نقدي، هذه الظاهرة تعكس أزمة ذوق في بعض الأوساط، حيث يُخلط بين “الذكاء الاجتماعي” و”إيذاء الآخرين بالكذب”.

— الإبداع الحقيقي هو في إدخال السرور على الناس من غير كذب ولا خداع، لا في استجداء الضحكات بالكذب. قال الجاحظ: “الصدق والوفاء توءمان، فيهن تمام كل دين وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد”.

— الصـدقُ مـلاذُ العـقلاءِ ومنتـهى النُّـبلاء

ختاماً؛ فإنّ الصدقَ طُمأنينةٌ وقرار، والكذبَ رِيبةٌ وعار، والصدقَ عِزٌّ مَكين، والكذبَ ذلٌّ مُهين، فاجعلوا من أبريل شهراً للوفاء، لا مرتعاً للخفاء، ولتكن ألسنتكم مَصاقلَ للحق، لا مَعاولَ للخلق، فما نفعَ الضحكُ إذا أورثَ الحسرة، ولا طابَ الهزلُ إذا هدمَ المبرّة، وإنّ العاقلَ مَن لا يَبيعُ وقارَهُ بضحكةٍ عابرة، ولا يَشتري وِزرَهُ بكلمةٍ فاجرة، بل يستمسكُ بحبلِ الصدقِ المتين، ويكونُ من عبادِ اللهِ المخلصين، الذين يخشونَ يوماً تَبلى فيه السرائر، وتنكشفُ فيه الضمائر، ولا يَنفعُ فيه إلا الصدقُ واليقين، اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلِّم.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم