(كيف يقرأ المثقف الفنون البصرية؟) مقال للدكتور عصام عسبري بصحيفة الايام.

يسعدني اطلاعكم على مقالي الجديد بالملحق الثقافي صحيفة الأيام
بعنوان:
كيف يقرأ المثقف الفنون البصرية؟

د. عصام عبدالله العسيري
فنان وأكاديمي
السعودية/ جدة

ليس من الضروري أن يكون الإنسان فنانًا أو ناقدًا أو مؤرخًا للفن حتى يقف أمام عمل بصري ويتساءل: ماذا أرى؟ وماذا أشعر؟ وماذا أراد الفنان أن يقول؟

الفن التشكيلي، في جوهره، ليس خطابًا مغلقًا على المتخصصين، وإنما لغة بصرية يمكن أن تقرأها كل عين ويفكّر بها كل عقل، حيث تنتقل الصورة إلى الإحساس، فالفكر، فالخبرة والثقافة، أي من البصر للبصيرة.

ونود هنا التعرف على علاقة المثقف بالفنون البصرية من فنون الرسم والنحت والتشكيل؛ فالمثقف ليس مجرد متلقٍّ للعمل الفني، بل هو أحد الذين يسهمون في صناعة الوعي الجمالي للمجتمع. وكلما اتسعت ثقافته البصرية، أصبح أكثر قدرة على اكتشاف ما وراء الصورة، وأكثر استعدادًا للحوار مع الفنان والعمل الفني بعيدًا عن الأحكام السريعة من نوع أعجبني أو لم يعجبني، جميل وقبيح، جيد وسيء.

كيف نقرأ العمل البصري؟

قراءة العمل الفني ليست وصفًا لما تراه العين فقط. أن تقول: هذه لوحة فيها امرأة وبيت وشجرة وألوان حمراء، هذا بداية القراءة وليس القراءة نفسها، أي مشاهدة فقط دون تأمّل وتفكّر.

يمكننا البدء بقراءة العناصر التشكيلية: (النقطة، الخط، الشكل، المساحة، اللون، الملمس، الضوء، الظل، الحركة، الإيقاع، التوازن، التباين والعلاقات بين الكتل والفراغات). ثم نسأل: لماذا اختار الفنان هذا اللون دون غيره؟ لماذا وضع هذا الشكل في مركز اللوحة؟ لماذا ترك هذه المساحة فارغة؟ هل الخط هادئ أم متوتر؟ هل الحركة صاعدة أم هابطة؟ وهل الشكل واللون هنا طبيعية، أم تعبيرية تحمل دلالة نفسية أو رمزية أو ثقافية؟

بعد ذلك ننتقل إلى مستوى آخر من القراءة: ماذا تفعل هذه العناصر مجتمعة؟

فاللوحة والتمثال ليسا مجموعة عناصر منفصلة، وإنما نظام من العلاقات. وقد يكون الخط في لوحة ما أكثر أهمية من الموضوع، وقد يكون اللون هو البطل الحقيقي، وقد يكون الفراغ أكثر حضورًا من الأشكال والكتل. وفي أعمال أخرى يتحول الرمز إلى مفتاح لفهم تجربة الفنان أو البيئة التي ينتمي إليها.

ولهذا فإنني أرى أن قراءة العمل الفني تشبه الدخول إلى منزل له أبواب متعددة؛ يمكن أن ندخل من باب اللون، أو الشكل، أو الرمز، أو التاريخ، أو السيرة، أو البيئة، أو الفلسفة، لكننا في النهاية نبحث عن العالم الذي بناه الفنان داخل عمله الفني الذي يقوم أساسًا على ثلاثة أصول هي: (الموضوع، الخامة والتعبير).

هل القراءة الصحيحة هي ما أراده الفنان؟

هنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة، فإلى أي مدى تتوافق قراءتنا مع ما أراد الفنان التعبير عنه؟
لا أعتقد أن هناك قراءة واحدة نهائية لأي عمل فني. فالفنان يضع تجربته وأفكاره ومشاعره في العمل، لكنه عندما يخرجه إلى المتلقي يفقد جزءًا من سلطة تفسيره. تصبح اللوحة كيانًا مستقلًا يدخل في علاقة جديدة مع عين المشاهد وثقافته وذاكرته وتجربته، فالصورة هي صيرورة معاني وعصية على الترجمة.

قد يرى الفنان في اللون الأزرق إحساسًا بالصفاء، بينما يراه متلقٍ آخر لونًا للحزن أو المسافة أو الغياب. وقد يضع الفنان رمزًا مستمدًا من بيئته المحلية، فيقرأه المتلقي الذي يعرف تلك البيئة قراءة مختلفة تمامًا عن متلقٍ يأتي من ثقافة أخرى.

وهنا لا يعني اختلاف القراءة أن أحد الطرفين مخطئ بالضرورة. المهم أن تكون القراءة مؤسسة على أدلة بصرية وفكرية داخل العمل، لا على إسقاطات عشوائية.

فالمتلقي الجيد لا يقول فقط: أشعر أن اللوحة تتحدث عن الحزن، بل يسأل نفسه: ما الذي جعلني أشعر بذلك؟ هل اللون؟ الإضاءة؟ الخطوط؟ الوجوه؟ الفراغ؟ الحركة؟ الموضوع؟ أم تجربتي الشخصية؟
هذه النقلة من الانطباع إلى التبرير هي التي تجعل التذوق بداية للثقافة الفنية.

من أين تعلّمنا قراءة الفني؟

في كثير من مجتمعاتنا العربية لم نتعلم قراءة الفن بالمعنى الحقيقي في المدرسة الابتدائية والمتوسطة. تعلمنا الرسم والألوان، وبعض المعلومات العامة عن الفن، وررسمنا أشكالًا هندسية ومناظر طبيعية، لكننا لم نتدرب بما يكفي على النظر والحوار والسؤال والتحليل والنقد وزيارة المتاحف والمعارض واستديوهات الفنانين إلا لما درسنا الفن أكاديميًا في المرحلة الجامعية.

حينها لجأنا إلى الاجتهاد الشخصي، بقراءة كتب فلسفة الفن والجمال وأصول الرسم والتصوير والتشكيل المجسم، وزرنا المعارض، وتابعنا الفنانين وقرأنا للنقاد، وحاورنا الفنانين.

أؤمن بأن الثقافة البصرية تُكتسب بالممارسة والدَرَبة. العين، مثل العقل، تحتاج إلى تدريب. كلما شاهد الإنسان أعمالًا وتأملها أكثر، وقارن بينها، وقرأ عنها، وسأل عن أسباب اختلافها، أصبح أكثر قدرة على رؤية التفاصيل.

ليس الهدف الرئيسي لتعليم الفنون أن نحول كل إنسان إلى ناقد فني، وإنما أن نمنحه عينًا أكثر وعيًا.

عن الفن في البيت العربي:
للأعمال الفنية علاقة قديمة بالبيت العربي، وإن اختلفت صورها من زمن إلى آخر؛ فقد كانت جدران الجوامع تحمل الخط العربي، والزخارف الهندسية والنباتية، والمنسوجات، والأواني، والأبواب والنوافذ ذات المعالجات الزخرفية. كان الجمال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى عندما لم يكن في صورة لوحة تشكيلية ومجسمات نحتية بالمعنى الحديث.

أما اليوم، فقد أصبح العمل الفني عنصرًا من عناصر تشكيل فضاء المنزل، لكنه للأسف لا يزال في كثير من البيوت يُعامل أحيانًا بوصفه قطعة ديكور تملأ فراغًا على الجدار أو زاوية ما، لا بوصفه ذاكرة بصرية وقيمة ثقافية وفكرية.

والفرق كبير بين أن نشتري عمل فني لأنه يناسب لون الأريكة والسجادة والستارة، وأن نقتنيه لأنه يخاطب وجداننا وفكرنا، ولأننا نشعر أن وجوده في البيت يضيف إلى حياتنا شيئًا لا تستطيع قطعة الأثاث أن تضيفه.

فالعمل الفني الجيد لا يملأ الجدار فقط؛ إنه يملأ جزءًا من الذاكرة.

هل يتحمل المثقفون مسؤولية نشر الثقافة التشكيلية؟

بالتأكيد نعم؛ فمسؤولية نشر الثقافة الفنية ليست مسؤولية الفنان وحده. إنها مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمتحف والجماعة الفنية والناقد والمثقف، وكل من يمتلك قدرة على التأ

رابط النشر👇
ap.wps.com/cms/docs/d/cbS…

ورأيكم يثري الموضوع 🌹

#د.عصام العسيري#صحيفة الايام#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

.

أخر المقالات

منكم وإليكم