كيف يعالج الطفل احساسه بفقد الام…؟ عبر اللعب.

سيكولوجية لعب الأطفال: كيف يعالج الطفل صدمة غياب أمه؟

أحيانا يكشف لعب الطفل عن مشاعر يصعب عليه التعبير عنها بالكلام. قد يكرر حركة معينة أو يخفي لعبة ثم يعيدها، وتبدو هذه الأفعال عادية في ظاهرها، لكنها قد تحمل معنى نفسيًا، خصوصًا بعد تجربة غياب أو انفصال عن شخص يرتبط به عاطفيا

تستند المقاربة السيكولوجية هنا إلى دراسة تحليلية لسلوك طفل يبلغ من العمر ثمانية عشر شهرا. لاحظ سيغموند فرويد أن هذا الطفل، الذي كان يتميز بطاعة والديه وعدم البكاء عند مغادرة أمه، طوّر عادة إلقاء ألعابه بعيدا تحت السرير أو في زوايا الغرفة، مصدرا صوتا يعبر عن الارتياح والتعجب “أو-وه” (Gone / ذهب). وفي مرحلة لاحقة، استعان الطفل ببكرة خشبية مربوطة بخيط، ليلقيها خارج سريره حتى تختفي، مردداً الصوت نفسه، ثم يسحبها عائداً بها وهو يهتف بسعادة “هنا” (Da).

يحلل فرويد هذه الظاهرة باعتبارها أول إنجاز ثقافي للطفل، متمثلاً في تخليه عن مطالبه الغريزية وتقبله لغياب أمه دون احتجاج. تمثل اللعبة هنا تعويضاً رمزياً واستعاضة عن الحضور المادي للأم، وتفسر تحول الطفل من الموقف السلبي إلى الموقف الفاعل؛ فقد تعرض لتجربة مفروضة عليه هي رحيل الأم، ما وضعه في موقف المتلقي المنفعل، وللتغلب على هذا الشعور بالعجز يخترع لعبة يمارس فيها دور الفاعل والمسيطر على عملية الغياب والحضور.

يكمن الدافع الأساسي خلف هذا الاستبدال الرمزي في رغبة الطفل في السيطرة على بيئته والانتقام لا شعورياً لكرامته المجروحة بسبب هجران الأم. وتفترض النظرية أن إلقاء اللعبة يعادل قول الطفل: “اذهبي، لست بحاجة إليك، أنا أبعدك عني بنفسي”. يتوافق هذا مع حالات أخرى يُظهر فيها الأطفال سلوكيات مشابهة تجاه الألعاب، كأن يتخيل الطفل غياب والده في جبهة الحرب من خلال رمي ألعابه بعيدا.

أما التجارب المؤلمة فتخضع للآلية نفسها. فحين يخضع الطفل لإجراء طبي كعملية جراحية بسيطة، سرعان ما يتخذ من هذه التجربة موضوعاً لألعابه اللاحقة، فيتقمص دور الطبيب ويوقع الألم الرمزي نفسه بدميته أو بصديقه. هنا يعمل اللعب أداة لتصريف الانفعالات، إذ ينقل الطفل الألم الذي وقع عليه إلى بديل خارجي، محققاً سيطرة رجعية على الموقف الذي مر به.

تتقاطع هذه الملاحظات لتؤكد أن اللعب عند الأطفال يتجاوز البحث عن اللذة السطحية، ليصبح وسيلة لهضم الانفعالات السلبية، وتكرار التجارب المؤلمة بوعي وإرادة، بهدف تحييد أثرها واستعادة التوازن النفسي داخل المنظومة الإدراكية للطفل.


[سيجموند فرويد، ما فوق مبدأ اللذة، ترجمة إسحق رمزي، دار المعارف، 1952]

​[سيغموند فرويد، الكف والأعراض والقلق، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1982]

#سيكولوجية_الطفل #الصدمة_النفسية #التحليل_النفسي# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم