البستاني الساهي
نراها في الحدائق والغابات، كرات من الفرو والطاقة لا تهدأ. تجري بسرعة البرق، تتسلق الجذوع، وتتوقف فجأة لتحدق في الفراغ. إنها السناجب، تلك الكائنات النشيطة التي تبدو وكأنها في مهمة دائمة ومستعجلة. ولكن خلف هذا النشاط المحموم يكمن سر بيئي مذهل، وبطل غير متوقع لقصة استمرارية الغابات.
مع حلول موسم الخريف، يتحول السنجاب إلى “آلة تخزين” دقيقة. يدفعه غريزة البقاء إلى جمع أكبر قدر ممكن من المكسرات والبلوط، ودفنها في مخابئ سرية متفرقة تحت الأرض لضمان مؤونته خلال الشتاء القاسي. إنه يعمل بجد، ويخفي كنوزه بعناية فائقة.
وهنا تكمن المفارقة الطريفة والحاسمة التي يؤكدها علماء البيئة: ذاكرة السناجب ليست مثالية!
على الرغم من مجهودها الكبير في الإخفاء، إلا أن السناجب تنسى مكان دفن جزء كبير، وربما “معظم”، مخزونها الغذائي. وحين يأتي الشتاء وتغطي الثلوج الأرض، قد تجد بعض مخابئها، لكن الكثير منها يظل مفقوداً في عقلها الصغير.
لكن الطبيعة لا تعرف الهدر. تلك المكسرات المنسية تحت التراب الرطب ليست ضائعة، بل هي في الحقيقة “بذور مزروعة”. مع حلول دفء الربيع وأمطاره، تنشق الأرض عن تلك البذور لتعلن ميلاد شتلات جديدة.
هذا “النسيان السنجابي” المبارك هو السبب المباشر وراء نمو ملايين الأشجار الجديدة سنوياً حول العالم. إنها حكمة الطبيعة المدهشة، حيث يتحول عيب صغير كضعف الذاكرة إلى أداة جبارة لتجديد الغابات والحفاظ على تنوعها البيئي.
لذا، في المرة القادمة التي ترى فيها سنجاباً يركض حاملاً جوزة بلوط، تذكر أنك لا تنظر فقط إلى حيوان يبحث عن طعامه، بل تنظر إلى بستاني الغابة الأول، الذي يزرع مستقبل كوكبنا… شجرة تلو الأخرى، ومن دون أن يقصد!
# مجلة إيليت فوتو آرت


