“ثَمَّةَ ثلاثة شروط لتصبح سعيدًا: أنْ تكون غبيًّا وأنانيا وبصحة جيّدة” – غوستاف فلوبير
في هذه الصياغة المكثفة يقيم غوستاف فلوبير مقاربة تقوّض الأوهام المثالية المحيطة بمفهوم السعادة، ويجعل من الغباء أساس أي طمأنينة ممكنة. وتقوم هذه الرؤية على ربط العناصر الثلاثة بآليات البقاء النفسي والجسدي، إذ تعمل كمصدات تعزل الفرد عن مأساوية الوجود.
تمثل الصحة الجيدة الشرط الجسدي لغياب الألم المادي، وعليها يقوم أي استقرار شعوري. أما الأنانية فتحمي الذات من التورط في آلام الآخرين ومآسيهم، لأنها تُبقي الفرد داخل دائرته الخاصة بعيدا عن التعاطف، وهو مصدر استنزاف للطاقة الروحية. ويأتي “الغباء”، أي غياب الوعي اليقظ، حارسا لهذه الدائرة. يرى فلوبير أن الذكاء المفرط والوعي بالذات وبالعالم يهدمان الطمأنينة باستمرار، لأنهما يمنحان الإنسان قدرة لا يرغب فيها على رؤية التناقضات واستشراف المآلات وإدراك عبثية بعض المساعي البشرية.
ولنتخيل لتوضيح ذلك شخصا بسيطا يقضي يومه منشغلا بتفاصيل روتينه المعتاد، ويستمتع بمباهج حسية مباشرة دون أن يسأل عن الغاية من الوجود، أو يقلق من أحداث مأساوية تقع في قارة أخرى. يملك هذا الشخص الصحة التي تعينه على الحركة، والأنانية التي تجعله يهتم بشأنه الخاص، و”الغباء” الذي يحجب عنه الرؤية المأساوية للكون. فإذا تسربت إلى عقله شرارة الوعي الفلسفي أو التحليل النقدي، انهارت المنظومة كلها: يبدأ الوعي بمساءلة الجدوى وتفكيك المعنى، فتتحول الطمأنينة السابقة إلى قلق وجودي مزمن.
ويُفهم من أطروحة فلوبير أن السعادة والوعي الكامل خطان متوازيان لا يلتقيان. فالإنسان أمام خيارين: أن يتنازل عن المعرفة الواسعة لقاء طمأنينة مسطحة، أو أن يقبل القلق والشقاء ثمنا لعقل يقظ قادر على اختراق قشور الأشياء.
[لوك فيري، مفارقات السعادة: سبع طرائق تجعلك سعيداً، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، 2018]
#فلسفة_السعادة
#غوستاف_فلوبير
#الوعي_والقلق
#مجلة ايليت فوتو ارت.


