ترتيلة الفجر الأوغاريتية إلى زيتونة الروح.. الفنان السوري العالمي الأستاذ حسن حلبي..
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين يطلع الفجر من بين حجارة أوغاريت لا يشرق الضوء وحده بل تستيقظ الذاكرة. وتنهض من بين ألواح الطين الأولى تراتيل كانت الآلهة تحفظها للذين عرفوا كيف يحاورون الحجر والخشب والنور. هناك عند عتبة البحر حيث تعلمت الريح الأبجدية .. يولد الفن صلاة ويغدو الإبداع شكلاً آخر للخلود.
ومن هذا النبع العتيق يمضي الفنان التشكيلي والنحات السوري العالمي حسن حلبي Hassn Halabi لا كصانع منحوتات فحسب.. بل كآخر الكهنة الذين ما زالوا يعرفون لغة الزيتون.
لذلك لم يكن غريباً أن يختار لنفسه لقب “زيتونة أوغاريت” فالزيتونة ليست شجرة في وجدانه بل سلالة وهوية وعهد قديم بين الإنسان والأرض. هي الجذر الذي لا ينكسر والغصن الذي يظل يكتب السلام فوق خرائط الزمن.
يتأمل المرء أعماله فلا يرى خشب الزيتون منحوتاً بل يسمع نبضه. كأن كل قطعة كانت تنتظر منذ قرون أن تمتد إليها يد حسن حلبي لتوقظ فيها الروح النائمة. في حضوره يصبح الخشب ذاكرة وتصبح العقد التي تركها الزمن على الجذوع خرائط لحضارة لا تزال تنبض في عروق السوريين.
رحلته الفنية ليست مجرد انتقال بين المعارض والعواصم الأوروبية التي احتفت بإبداعه بل هي رحلة حضارة تعبر الحدود دون أن تفقد لهجتها الأولى. أينما حلّ حمل معه قبضة من تراب أوغاريت وغصناً من زيتون اللاذقية ورسالة تقول إن الجمال هو أكثر اللغات قدرة على هزيمة النسيان.
أما عمله الأخير أمام حديقة البطرني في اللاذقية فلم يكن مجرد معالجة لشجرة يابسة أنهكها الزمن. كان طقساً من طقوس الخلود. وقف الفنان أمام الجذع كما يقف المؤمن أمام محرابه وأنصت إلى صمت الخشب حتى سمع ما عجز الآخرون عن سماعه. ثم أطلق أزاميله لا لتقطع بل لتحرر الحياة المختبئة في الأعماق.
وإذا بالشجرة التي ظنها العابرون نهاية تتحول بين يديه إلى بداية جديدة. أغصانها اليابسة أنبتت فناً وسكونها صار حركة وموتها صار إعلاناً بأن الحياة تعرف دائماً الطريق إلى من يؤمن بها.
هناك لم ينحت حسن حلبي شجرة فحسب بل نحت صورة سوريا التي، مهما أثقلتها الجراح تظل قادرة على أن تنهض من خشبها اليابس وأن تورق من جديد.
إن الفنان حسن حلبي ليس مجرد اسم في سجل الفن التشكيلي بل هو صفحة مضيئة من كتاب الحضارة السورية رجل يحمل أوغاريت في قلبه والزيتون في يديه والإنسان في رسالته.
لذلك تأتي أعماله مفعمة بالصدق لأنها لا تبحث عن التصفيق بل عن الأثر الذي يبقى بعد أن يغادر الجميع.
سلامٌ على زيتونة أوغاريت وهي تمشي بين الناس في هيئة فنان.
وسلامٌ على اليد التي تؤمن أن الجمال رسالةً وأن الإبداع صلاة وأن الوطن يمكن أن يُنحت كما تُنحت الأحلام.
وسيظل حسن حلبي ابن حضارة أوغاريت ووريث عطائها العريق يكتب بإزميله ما عجزت الكلمات عن قوله حتى يبقى الفجر السوري يخرج كل صباح من جذع زيتونة ومن قلب فنان عرف أن الفن منذ زمن أوغاريت وحتى اليوم هو الترتيلة الأولى للحياة.
عاشق أوغاريت. غسان القيم


