المرأة والرمز في أعمال الفنانة استبرق شوكت (الجزء الأول)
بقلم الفنان والناقد التشكيلي عاصم الربيعي
يمثل فن الفنانة استبرق شوكت فضاءً بصرياً عذباً يفيض بالعاطفة الجياشة وينبض بأسرار الروح الداخلية، حيث تتحول لوحاتها إلى سمفونية شعرية بصرية تأخذ المشاهد في رحلة عميقة لاستكشاف تلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة. لا تقدم الفنانة هذا التلاحم كقصة حب تقليدية عابرة، بل تغوص به في محطات الغزل الممنوع و الرغبة الإنسانية الدفينة، ليكون اللقاء والفرقة طاقتين أساسيتين تبنيان هذا الكون الوجودي وتمنحانه توازنه الأبدي، تماماً كما كتبته في مقدمات أعمالها.
من خلال تمعني العميق في لوحات الفنانة استبرق، وجدت أن الرمزية في طرح أعمالها رمزية حديثة لم أَرَها في الفن العراقي المعاصر، وهذا يدل على أن إحساسها المنفرد، وتعاطفها مع نفسها، وبحثها عن الكمال هو الذي جعلها تبتكر رموزاً خاصة بها، مع تأثيرات الفن الرافديني في الحضارات القديمة، وتأثير رسالتها للماجستير المعنونة “ثنائية الرجل والمرأة في الفن العراقي المعاصر”، مما أثر على أسلوبها فابتكرت أسلوباً مميزاً في معالجة بعض السلبيات في المجتمع العراقي.
وعبارتها التي عبرت بها عن فنها حيث كتبت: “لا يوجد شعور يضاهي أن ترى نبض أفكارك، والألوان التي سكبتها من روحك على القماش، وهي تتحول إلى لغة ومادة للبحث العلمي والأكاديمي الجاد”.
ومن هذه المقولة أدخل في البحث الفني في لوحاتها المميزة.
أعمال الفنانة استبرق شوكت تمتلك أسساً جمالية وتقنية متينة تدمج بين التراث والحداثة، وتتجلى هذه الخصائص الفنية عبر عدة عناصر جوهرية مثل التكوين والكتلة، حيث تعتمد الفنانة في بناء لوحاتها على تكوينات دائرية ومغلقة أحياناً (مثل الأعمال ذات الإطار الدائري أو على شكل قلب)، مما يعطي إحساساً بالاحتواء والوحدة. وبهذا، فإن الشكل الدائري والخطوط المنحنية هي دلالات الأنوثة عند المرأة والتي ركزت عليها الفنانة للتعبير عن الطاقة الهائلة في التعبير عن الحب الحقيقي.
تتوزع الكتل البشرية والعناصر الرمزية بتوازن مدروس، حيث يندمج جسد ال المرأة والرجل بالطبيعة والأشجار أو حتى بثمار الرمان، في إشارة بصرية إلى التلاحم الكوني والاندماج الوجودي الأبدي.
وتُعد الحروف العربية عنصراً تشكيلياً أساسياً وليس مجرد عنصر قرائي في أعمالها, فهي تنساب ببراعة لتشكل خصلات الشعر، أو تتداخل مع أغصان الشجر وجذوعها، أو تسبح في مساحات الخلفية. هذه الخطوط المنحنية واللينة تمنح اللوحة إيقاعاً موسيقياً وحركة دائرية مستمرة.
أما الرمزية والتجريد الشكلي فهو لعبتها في التعبير، حيث تبتعد عن النقل الحرفي الواقعي لتلجأ إلى تشخيص تعبيري يحمل مسحة سريالية رمزية فالوجوه تبدو بملامح ساكنة وأعين غامضة تشبه الأيقونات القديمة، وتظهر الوجوه المقنعة والحمام والورود وأشكال الطبيعة لتؤدي أدواراً درامية تعكس الصراع الداخلي، وازدواجية البوح والكتمان.
على الرغم من دقة التنفيذ وعمق الأبعاد الأكاديمية والبحثية للوحات، إلا أنها تنبض بروح التلقائية والعاطفة الجياشة. هذه “العفوية المدروسة” تظهر في تدفق الألوان وتداخل الحروف والتكوينات التي تبدو وكأنها وليدة اللحظة الشعورية العميقَة، مما يمنح المتلقي إحساساً بأنه أمام سمفونية بصرية متكاملة النغمات.
بقلم# الفنان والناقد التشكيلي عاصم الربيعي#مجلة ايليت فوتو ارت.


