كتب الناقد: أيمن أبوزيد.الفنانة (هيام عبد الباقي)ج٩ .رائدة مدرسة التعبيرية الصوفية النورانية.

الفنانة (هيام عبد الباقي) ( الجزء التاسع)
رائدة
المدرسة التعبيرية الصوفية النورانية
في الفن التشكيلي المصري المعاصر Hayam Abdel Baky
نحن مازلنا في خاصية :-
إتقان بلاغة اللغة التشكيلية البصرية عند الفنانة هيام عبد الباقي ..
تكلمنا في الجزء الثامن (السابق) عن :-
ـ وحدة التكوين والحرص على التنوع في أعمالها .
اليوم سنتكلم عن :-
(ب) قيادة خط سير دراما التكوين :-
•• إدارة الصراع بين العناصر والفراغ :-

تعالوا نتفق على مفهوم تؤمن به الفنانة هيام عبد الباقي .. هو أن اللوحات الفنية بالنسبة لها هي (أوطان) موازية للوطن الأم مصر .. وأبطالها يعيشون داخلها في دراما ملحمية ..
تنشأ من الصراع الدائر بين الفراغ والعناصر،
ومن الأوصاف المعروفة لفن الرسم هو ( فن علاج الفراغ) .
وإذا اعتبرنا أن الفراغ هو مصدر الطاقة السالبة … فالعنصر هو مصدر الطاقة الموجبة داخل اللوحة ..
تشعر من هذا الصراع المحسوم لصالح العنصر بالتأكيد .. أن الفنانة هيام اعتبرت مهمتها الأساسية هي أن تقتحم هذا الفراغ وتعالجه بتوزيع العناصر بداخله .. أي استبدال السالب بالموجب .
واذكركم لما قلت له في السابق من هذه الدراسة .. أن من خصائصها الفنية..
(زخم العناصر وكراهية الفراغ)
داخل لوحاتها .. تفعل ذلك بدافع القضاء على أي سلبيات قد تصدر من فراغ اللوحة للمشاهد .. وعلاجها واستبدالها بعناصر أبطالها وناسها وبيوتها وحكايتها .
يشع من كل عنصر طاقة إيجابية نشطة مشعة تتفاعل مع باقي العناصر الأخرى بشكل متكاتف ومتماسك بينهم .. ينشأ منه حوارًا بصريًا، يصب في مصلحة وحدة وترابط تكوين اللوحة أي (الوطن) .. مضادًا لأي قوة سلبية فراغية مقاومة له .
ومن المعروف أن الفراغ ضروري ومهم لدى الكثير من الفنانين، حتى على الأقل لكي تتنفس عناصره من خلالها، إلا أن هيام عبد الباقي لها فلسفة أخرى .. أنها تعطي الأولوية لعناصرها لتوازن وتكافؤ القوى الإيجابية الناشئة بين عناصرها، فتصبح السيادة لهم داخل لوحاتها دون فراغ سلبي منافس لهم .
وكما قلت أيضًا ..
ان من اركان منهجها وفلسفتها .. أن لوحاتها الفنية (مصدر للطاقة الإيجابية المشعة) دون توقف .. فتقوم بتكثيف كل الطاقة الإيجابية الناشئة من وحدة وتكاتف وسيادة عناصرها داخل أعمالها الفنية .. فتنفرد عناصرها بالمعنى والجماليات الفنية البصرية التي تسكن بداخلها هي فقط .
أعتقد أن هذه الحالة من الممكن أن نعتبرها مسألة خاصة بسيكولوجية الفنانة ذاتها ..
بما اننا قلنا ان لوحاتها هي أوطان بديلة، فتعتبر أبطالها هم أهلها وناسها من الشعب المصري .
وتعيش في حالة توحد بينها وبينهم هؤلاء الأبطال .. تشحذ لهم كل إمكانياتها وقدراتها الفنية البصرية للدفاع عن حقهم في الوجود والسيطرة على ساحة اللوحة أي الوطن .
اقصد بالطبع فراغ اللوحة حتى تشغلها كلها .. ومن النادر جدًا أن تجد أحد عناصرها يفكر أن يهم بالخروج متجهه لخارج لوحاتها رغم زحامها ..
تأكيدًا منها في حقه في الوجود والعيش داخل وطنه .. فنرى جميعهم موحدين اتجاههم إلى الداخل ولبعضهم ، حتى اشعرتنا الفنانة بأن لوحاتها هي أوطان جاذبة وليست طاردة لأبطالها مهما تفاوتت أحجامها وألوانها، فهي مؤمنة ان من حق الجميع ان يسكنون داخل وطن لوحتها ..
ولم شملهم وتكاتفهم داخل أوطانهم ولن تسمح لأحدهم بالهجرة وترك فراغه شاغلًا يشكل قوة سلبية ضد المجموع .. وتقنعه ان لوحتك أولى بك .. والجميل في الفعل .. ان الجميع يستجيب لها طوعًا بحب، فنرى الكل يعمل بسعادة واستجابة تامة وفي حركة ديمومية منسجمة .. لأن الجميع يعلم أن عليهم مسؤولية واحدة ..هي بناء اللوحة أي الوطن دون أي تلكؤ أو كسل منهم .. رافضين أي سبب يفرقهم ..
أو اي استهجان او رفض من أحدهم للآخر .. او الهجرة منها..
وإذا قلنا إن الفراغ عند البعض داخل اللوحة الفنية هو رمز لهواء الحياة.. العناصر والكتل تتنفس من خلاله .. إلا أن هيام استعوضتها برمزية أخرى عكسية .. بشغل وتكاتف عناصرها، واحتوائهم لكل مكان داخل لوحاتها .. لإيمانها انهم هم الأصل داخل اللوحة .. فقامت باحتواء أبطالها داخل اللوحة، وحثهم على الحباة داخلها بل، قيادة زمام أمورهم بنفسهم .. وذلك خلال مراحلها الفنية في الماضي والحاضر والمستقبل .. بالعمل المستمر، والتكاتف الدائم والموحد بينهم .. بما أننا ذكرنا من قبل في بداية الدراسة ( أن الحفاظ على الأبدية والخلود) ركن أساسي في منهجها الفلسفي في إدارة مشروعها الفني .
فالمسألة بالنسبة لها مسألة مبدأ لا تقبل التراجع عنها او حتى التفاوض فيها .
وحتى في لوحات البورتريها في كل مراحلها كما سنرى فيما بعد من الدراسة .
وجدناها تقترب من الوجه بشدة في لقطة قريبة ( close-up)، واستحواذه على مساحة اللوحة .. وهنا أن دل على شئ أعتقد أنه يدل على ثبات المبدأ والإصرار عليه عند الفنانة للشخصية المصورة واستحواذ الكتلة للمساحة .. وتسليط الضوء عليه دون تشتت لشئ آخر وإعطاءه كل الثقل داخل اللوحة .
وكما معلوم ان الثقل البصري داخل العمل الفني هو إحساس وإيهام بصري ، يعتمد على الحجم المرئي للكتلة بالنسبة لمساحة اللوحة أو مساحة الفراغ بالنسبة للقطعة النحتية ، وليس له علاقة بالثقل الوزني الفعلي في الواقع .
وبهذا المفهوم البصري تدير لوحتها الفنانة هيام عبد الباقي تبعًا لخطة محددة تصب في نفس الهدف ..ألا وهو ( تصدير أكبر كمية من الطاقة الإيجابية للمشاهدين)…
فمثلًا نرى ..
ــ في لوحاتها التي تحتوي على عناصر منمنمة، تنفذها على شكل أسطح ممتدة ولقطات عامة بعيدة .. مكونة من عناصر متماثلة في الحجم ونتكتلة في كتلة واحدة ، ثم تقوم بتوظيف تكتل الوان خلفيتها .. لتحقق من خلاله توزيع أثقال اللوحة باتزان، وتحقيق السيادة والتأكيدية أيضًا من خلالها لما تريد، وسنقف عند هذا الموضوح بالتفسير فيما بعد .
ـ في اللقطات المتوسطة (المسرحية) التي تظهر أجساد أبطالها كاملة بوضوح ممتلئة مساحة اللوحة .. تحرص على سيادة أبطالها .. بطل او عدة ابطال، تخلق بينهم توازن تبعًا لثقلهم بشكل نسبي ومتوازن .. وتبقى المنمنمات الصغيرة من العناصر البشرية كخلفية لهم . ولإضافة عمق مكاني وزماني لها .

  • وفي البورتريهات واللقطات القريبة تستحوذ الوجوه على المساحة كلها كثقل وحيد يستحوذ على الرؤية البصرية داخل اللوحة .
    ———–
    انتهى ..

إلى اللقاء مع (الجزء العاشر) من الكتاب بعنوان :-
[[ الفنانة (هيام عبد الباقي) رائدة المدرسة التعبيرية الصوفية النورانية في الفن التشكيلي المصري المعاصر]]
من باب ( الخصائص الفنية للفنانة هيام عبد الباقي) ..
مكملين الشرح في فصل ..
خاصية
(بلاغة اللغة التشكيلية البصرية داخل أعمالها الفنية)

أيمن أبوزيد 22/5/2026
ناقد مستقل

أخر المقالات

منكم وإليكم