كتب الفنان: لؤي زيدان..المصور الذي يقرأ… يرى أكثر.

المصور الذي يقرأ… يرى أكثر
يظن البعض أن المصور يحتاج إلى الكاميرا قبل أي شيء آخر؛ عدسة جيدة، وإضاءة مناسبة، ومعرفة دقيقة بإعدادات التعريض. لكن الكاميرا، مهما تطورت، لا تستطيع أن تمنح المصور شيئًا أساسيًا: أن يعرف ماذا يرى ولماذا يصوره.

وهنا تأتي القراءة.

القراءة بالنسبة للمصور ليست رفاهية، وليست شيئًا منفصلًا عن التصوير. إنها واحدة من الأدوات التي تصنع نظرته إلى العالم. فالمصور الذي يقرأ التاريخ، يرى المكان بطريقة مختلفة. والذي يقرأ الأدب، ينتبه إلى التفاصيل والمشاعر والعلاقات الإنسانية. والذي يقرأ علم الاجتماع، قد يرى خلف الصورة حياة كاملة لا تظهر في الكادر. والذي يقرأ عن الفن والتصوير، يفهم كيف تشكلت الصورة قبل أن يصل هو إليها.

الكاميرا تسجل ما أمامها، لكن ثقافة المصور هي التي تحدد ما يستحق أن يدخل إلى الصورة.

المشكلة أن كثيرًا من المصورين ينشغلون بالسؤال: كيف أصور؟
أي عدسة أستخدم؟ ما سرعة الغالق؟ ما فتحة العدسة؟ كيف أعدل الألوان؟

وهي أسئلة مهمة بالتأكيد، لكنها تأتي بعد سؤال أكثر أهمية:

ماذا أريد أن أقول؟

وهذا السؤال لا تجيب عنه الكاميرا.

قد يمتلك شخص أحدث كاميرا وأغلى العدسات، لكنه يلتقط صورًا كثيرة ولا يقول شيئًا. وفي المقابل، قد يصنع مصور بسيط الإمكانيات صورة واحدة تجعلنا نتوقف أمامها طويلًا، لأن وراءها فكرة ومعرفة وتجربة ونظرة.

القراءة تمنح المصور هذه الخلفية.

حين يقرأ المصور عن مجتمع ما قبل أن يصوره، فإنه لا يرى الناس كموضوعات جميلة أمام عدسته، بل يبدأ في فهم ظروفهم وتاريخهم وعاداتهم ومخاوفهم وأحلامهم. وحين يقرأ عن قضية يريد توثيقها، يصبح قادرًا على طرح الأسئلة الصحيحة، والاقتراب من الموضوع باحترام أكبر.

وهنا تصبح الصورة أكثر من مجرد لحظة جميلة.

تصبح شهادة.

والقراءة لا تعني فقط الكتب المتخصصة في التصوير. أحيانًا قد يكون كتاب أدب أهم للمصور من كتاب آخر عن الكاميرات. رواية قد تعلمه كيف يشعر بشخصية لا يعرفها، وكتاب تاريخ قد يفسر له لماذا يبدو مكان ما بهذه الطريقة، ومقال صحفي جيد قد يفتح أمامه موضوعًا لم يكن يعرف عنه شيئًا.

حتى مشاهدة أعمال المصورين الكبار تحتاج إلى قراءة. لا يكفي أن نرى الصور ونقول: هذه صورة جميلة.

علينا أن نسأل:

لماذا التقطها صاحبها؟
ما الذي كان يحدث حولها؟
كيف بنى مشروعه؟
لماذا اختار هذه الصورة ولم يختر غيرها؟
ما الذي يريد أن يقوله من خلال تسلسل الصور؟

عندها لا نعود نتعلم كيف نقلد الصورة، بل نتعلم كيف نفكر كمصورين.

والأهم أن القراءة توسع قاموس المصور البصري. كلما قرأ وشاهد وفكر، أصبح لديه مخزون أكبر من الأفكار والروابط. يبدأ في رؤية العلاقة بين الأشياء؛ بين الإنسان والمكان، بين الضوء والذاكرة، بين الفقر والكرامة، بين العمل والهوية، بين الماضي والحاضر.

وهذا تحديدًا ما يحتاجه التصوير الوثائقي.

فالمصور الوثائقي لا يذهب إلى المكان ليبحث عن صورة جميلة فقط. هو يدخل إلى حياة الآخرين ويحاول أن يفهمها، ثم يبني من اللحظات التي يراها حكاية يمكن للآخرين أن يفهموا من خلالها شيئًا عن هذا العالم.

لذلك أرى أن هناك فرقًا كبيرًا بين مصور يجيد استخدام الكاميرا ومصور يمتلك رؤية.

الأول يعرف كيف يصنع صورة.

أما الثاني، فيعرف لماذا يصنعها.

والطريق بين الاثنين لا يمر دائمًا من خلال شراء عدسة جديدة.

أحيانًا يمر من خلال كتاب.

فكلما قرأنا أكثر، لم نكن نجمع معلومات أكثر فقط؛ كنا نضيف طبقات جديدة إلى الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

وفي النهاية، المصور لا يصور بعينيه وحدهما.

إنه يصور بكل ما قرأه، وبكل ما عاشه، وبكل ما شعر به، وبكل الأسئلة التي لم يجد لها إجابة بعد.

ولهذا ربما تكون أهم عدسة يمتلكها المصور ليست تلك الموجودة أمام الكاميرا…

بل تلك الموجودة في عقله

أخر المقالات

منكم وإليكم