كتب الفنان: د. جمال العتابي.مقال: يوميات كاظم غيلان.. حين يتحوّل الألم إلى كتابة.

شرفني الكاتب والفنان د. جمال العتابي بمقاله هذا في ثقافية ” الصباح”.

يوميات كاظم غيلان.. حين يتحوّل الألم إلى كتابة
الصباح ١ حزيران

جمال العتابي

في كتابه “يوميات كاتب عرايض” لا يقدّم الشاعر كاظم غيلان سيرةً شخصيةً بالمعنى التقليدي، ولا يكتفي بتدوين ذكريات عابرة، بل يفتح نافذةً على حياةٍ عراقيةٍ مثقلةٍ بالانكسارات، ويجعل من نفسه شاهداً وأميناً على حكايات الآخرين، حتى ليبدو وكأنه لم يعش حياته وحده، بل عاش حيواتٍ كثيرة متراكبة في جسدٍ واحد.
كتابه الصادر عن “كوديا للنشر والتوزيع” عام 2026، ليس مجرد أوراق تُسجّل، بل هو دفتر وجعٍ طويل، كُتب بحبرٍ ممزوجٍ بالتجربة، لا بالحبر وحده. فالرجل الذي واجه السلطة وقسوة النظام، وعايش الحروب والحصار، وذاق شظف العيش، لم يكن يكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب المحنة، من تلك المسافة الضيقة بين الكرامة والجوع، بين الأمل المنكسر والعناد النبيل.
اختار كاظم غيلان دكة تطلّ عل شارع في باب المعظم، يعبره آلاف المارّة يومياً: مسافرون، طلبة، أساتذة، موظفون متعبون، جنود هاربون، نساء ورجال موجوعون، مخذولون، عشاق، نشالون، متسولون، مزورون، شباب من شتى الأصناف، هناك زرع غيلان شجرة، سقاها بدموع أحزانه وخيباته، كبرت الشجرة، كلما تكبر أوجاع الوطن، ظلت شاهداً على ما صنعه الطاغوت فيه.
تتخذ “العرائض” في هذا العمل بعداً إنسانياً عميقاً. فهي ليست مجرد طلبات تُرفع إلى مسؤول أو جهة، بل صرخات مكتومة، وحكايات ناسٍ مسحوقين يبحثون عن نافذةٍ صغيرة في جدارٍ أخرس. كاظم، في هذا السياق، لا يقدم نفسه كاتباً للعرائض، بل وسيط بين الألم والكلمة، بين الإنسان المقهور واللغة التي تحاول أن تنصفه. كان أميناً على وجع الآخرين، يصغي، يدوّن، ويعيد صياغة المعاناة بلغةٍ تحفظ أسرار الناس، يروي آلاف الوقائع من دون أن يذكر فاعليها، يتحدث عن زوجة تشكو زوجها لأنه يزني بابنته. عن هذه التجربة ـ الكتابة ـ يقول كاظم: إنها وفّرت له نعمة ما كان بحاجة له في مقاومة الحصار وإبعاد نفسه عن السقوط الثقافي المريع.
في ثنايا تلك الحكايات، يمرّ بنا عالمٌ كامل: شعراء وأدباء، محمد تركي النصّار، خليل الأسدي، حميد قاسم، جان دمّو، نصيف الناصري، حسن النوّاب، كزار حنتوش، عبد اللطيف الراشد، ناجي إبراهيم. فقراء جميعاً، يدركون واقع شعب تتحكم في مصيره عصابة، تذبحه متى شاءت.
عابرون في ليل بغداد الطويل، يتسكعون في شارع الرشيد ومنطقة الميدان، يدخنون ويشربون، لا طلباً للمتعة بقدر ما هو محاولةٌ لتخفيف ثقل الحياة. الليل هنا ليس زمن راحة، بل زمن اعتراف، حيث تُقال الحكايات بصراحةٍ أكبر، وتنكشف الهزائم الصغيرة التي تراكمت حتى صارت قدراً.
كاظم غيلان، القادم من العمارة، يحمل في داخله من ماء الجنوب ومرارة طينه. كأن حياته كانت منذ البداية مشروع انحيازٍ كامل للكتابة وللناس. وامتلاءً بالآخرين، حتى غدا هو نفسه مرآةً لوجوهٍ كثيرة. عرفته منذ “قصائد الأربعين”، منذ ذلك التاريخ، ونحن نحمل خفايا هذه الرحلة. كان يطوي عن عيون الناس حلمه، دونما صوت، يغنينا ويبكي. في الفنادق البائسة من الدرجة العاشرة، حيث أقام سنواتٍ طويلة، تتكثف الصورة: شاعرٌ يكتب، ويستمع، ويعيش على حافة الحياة، لكنه لا يسقط. لم يكن وحيداً في ليالي الأعياد، هو محاطٌ بالأصدقاء، يحمل سرّه الرائع، شراعه يطوف بالحانات، والظلمات، يردد قصائد مظفر النوّاب:
واهٍ من العمر..
بين الفنادق لا يستريح!
في المدونات، تتجلى مفارقات مؤلمة: شاعر يساري الانتماء، يحلم بالحرية والعدالة، فإذا به يرى أحلامه تتآكل أمام قسوة الواقع. لكن الخيبة هنا لا تتحول إلى استسلام، بل إلى وعيٍ أكثر حدّة. لقد ظلّ غيلان ثابتاً على مبادئه، لم يساوم، ولم يهادن، بقي نظيف العقل والتاريخ، وهي صفاتٌ نادرة في زمنٍ كثرت فيه الانحناءات.
لغته تنتمي إلى تلك المنطقة التي تمتزج فيها السردية بالشعر. هناك عذوبةٌ خفيّة، حتى في أكثر اللحظات قسوة، وهناك حساسيةٌ عالية في التقاط التفاصيل الصغيرة
وجهٌ متعب، كلمةٌ عابرة، لقاءٌ في مقهى، أو نظرةٌ صامتة تختصر حكاية كاملة. هذه التفاصيل هي ما يمنح النص صدقه، ويجعله حميماً:
تحولت غرفتي في الفندق إلى بديل بعد قرار غلق نادي الاتحاد، أستقبل الأصدقاء يشاركوني هموم الليل، حميد قاسم وهو يطلق العنان لحنجرته: أنا شسويت يحبابي وظلمتوني؟ خالد مطلك ونكاته التي لا تنقطع، كريم الزيدي وهوايته المفضّلة في “لف الجكاير”، نصيف الناصري وفتوحاته الشعرية. شرطي يحتجز النصار وغيلان آخر الليل، بسبب الضحك بصوت عالٍ، يقول عنه كاظم: أول مرة أشوف شرطي مثقف! ثم سأله: إذا نبكي شنو التهمة؟
من خلال عمله في الصحافة خلال التسعينيات، تتضح ملامح شخصيةٍ جريئة، تعرف أن الكلمة موقف، وأن الكتابة ليست ترفاً بل مسؤولية. كان يكتب وهو يدرك أن لكل جملةٍ ثمنها، ومع ذلك لم يتراجع. هذا الإصرار هو ما يجعل “يوميات العرايض” أكثر من ذكريات، إنها شهادة زمن، محتشد بطوابير أسلحة الموت والاغتيالات، والأرض لا تسع القتلى، زمن انقسم فيه الشعراء إلى مدّاحين ومطبّلين، وآخرين فرّوا إلى بلاد يقتاتون من جوع على الصبّار والحشف.
المفارقة العجيبة أن “كاظم” وهو يكتب عن بغداد حمّالة الأسى، لا تفارقه السخرية، أتساءل: كيف تسنى له أن يضحك وهو في قلب الألم؟ ثم أعود لأطمئن حيرتي، فأكتشف أن حالات كهذه، ليست نقيض الحزن، بل وجهه الآخر، حين يشتد القهر إلى حد لا يحتمل، صاحب المدونات إذاً، يبحث عن منفذ لا ينهار فيه، فيجد في السخرية المرّة وسيلة لإعادة ترتيب العالم، أو على الأقل، إعادة ارتيب نفسه، لم يكن غيلان ضاحكاً لأنه سعيد، بل لأنه يدرك أن البكاء وحده لا يكفي، واللغة إن لم تتحايل على الواقع ستنهزم أمامه.
في لحظةٍ ما، يبدو أن كاظم يريد أن يقول كلمته ويمضي. لا رغبة لديه في الأضواء، ولا في المجد المتأخر، بل في أن يترك أثراً صادقاً، بعيداً عن أوجاع المستشفيات وإرهاق الجسد. كأنه يكتب ليخفف عن نفسه، وليمنح الآخرين صوتاً، ثم ينسحب بهدوء.
“يوميات العرائض” كتاب عن الإنسان قبل أن يكون عن الكاتب. عن الكرامة في أقسى ظروفها، عن الصبر الذي لا يتباهى بنفسه، عن النبل الذي يعيش في الظل. إنه نصّ يذكّرنا بأن الكتابة الحقيقية لا تُولد في وضع الاسترخاء، بل في معترك الحياة العنيف، أجمل ما فيها، قدرتها على تحويل الألم إلى معنى.
بهذا المعنى، لا نقرأ كاظم غيلان فحسب، بل نقرأ أنفسنا أيضاً، أو ما تبقّى منّا في مواجهة عالمٍ لا يكفّ عن امتحاننا. ألم تزل عيناك يا كاظم ترقبان سفينة تبحر فينا، دونما ربّان؟

أخر المقالات

منكم وإليكم