فيلم وثائقي (حبات من الرمل ) للمخرجة Sarah Gross :حبّات من الصداقة والسينما
أُسامة ختلان — مجلة ( سومر) السينمائية
في مرحلة التقدّم في العمر يتغيّر موقع الذاكرة في حياة الإنسان؛ إذ تصبح الماضي والحاضر في حالة تداخل مستمر. هذا التحوّل يمنح السينما الوثائقية وظيفة مختلفة، فهي لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تتحول إلى أداة لفهم العلاقات الإنسانية في زمن الشيخوخة. في مثل هذه الأعمال، لا تكون الكاميرا مجرد جهاز مراقبة، بل وسيلة لإعادة قراءة التجربة الحياتية من زاوية أكثر هدوءاً وتأمّلًا. لذلك تبدو الأفلام التي تتناول الشيخوخة أقل انشغالًا بالحدث وأكثر اهتماماً بالإيقاع البطيء للحياة اليومية، حيث تتكثف المعاني في التفاصيل الصغيرة.ضمن هذا الإطار يأتي فيلم Grains of Sand، الذي يتناول تجربة التقدّم في العمر من خلال علاقة تجمع بين العائلة والصداقة والفن. يركّز الفيلم على شخصيتين فنيتين تجاوزتا الثمانين: الرسامة مارغو المقيمة في سان فرانسيسكو، والنحاتة باربرا القادمة من هامبورغ، المانيا. ترتبط المرأتان بعلاقة صداقة طويلة، كما تجمعهما صلة عائلية بالمخرجة Sarah Gross، إذ إن إحداهما والدتها والأخرى حماتها. هذا التقاطع بين العائلة والفن يمنح الفيلم بعدًا شخصيًا واضحًا، ويجعل الكاميرا جزءاً من العلاقة الإنسانية التي توثّقها. صوِّر الفيلم على مدى ثماني سنوات، وهو زمن طويل نسبياً في الإنتاج الوثائقي. لكن هذا الامتداد الزمني يشكّل أحد عناصر قوته الأساسية، لأنه يسمح بمراقبة التحولات البطيئة في حياة الشخصيتين. فالفيلم لا يتبع بنية درامية تقليدية، بل يعتمد على تراكم المشاهد والحوارات عبر الزمن. اللقاء السنوي الذي يجمع المرأتين في بيت ريفي حجري يتحول إلى محور سردي متكرر، حيث تعملان على نحت الحجارة أو مناقشة مشاريع فنية، وفي الوقت نفسه تستعيدان تجاربهما الحياتية.من الناحية البصرية، يعتمد الفيلم على المزج بين اللقطات الملوّنة والأبيض والأسود. هذا الاختيار لا يعمل بوصفه عنصراً جمالياً فحسب، بل يؤدي وظيفة دلالية مرتبطة بموضوع الذاكرة. فالصور الملوّنة ترتبط بالحاضر وبالحياة اليومية للفنانتين، في حين تستحضر اللقطات بالأبيض والأسود بعداً زمنياً أقرب إلى الأرشيف الشخصي. هذا التناوب البصري يخلق إيقاعاً هادئاً ينسجم مع موضوع الفيلم، ويمنح المشاهد إحساساً بأن الزمن يتحرك ببطء داخل العمل.إلى جانب ذلك، يبرز الفيلم اهتماماً واضحاً بتفاصيل الممارسة الفنية لدى الشخصيتين. فاللقطات التي تُظهر الأيدي وهي تعمل على الحجر أو تتحرك فوق سطح اللوحة تمنح العمل بعداً مادياً ملموساً. وفي بعض المقاطع، تستخدم المخرجة تركيباً بصرياً قريباً من تقنية الكولاج، حيث تتداخل الصور الأرشيفية مع اللقطات المعاصرة والحوارات. هذا الأسلوب يمنح الفيلم طابعاً تشكيلياً ينسجم مع موضوعه، لأن حياة الشخصيتين تعرض كما لو كانت تركيباً بصرياً من طبقات زمنية متعددة. مع ذلك، يلاحظ في الفيلم حضور محدود لتجربة المخرجة الفنية نفسها. فعلى الرغم من أن Sarah Gross هي صاحبة المشروع السينمائي، إلا أنها تختار البقاء في موقع المراقب. هذا الاختيار يبدو مقصوداً، إذ يترك المجال لشخصيتي مارغو وباربرا كي تحتلا مركز الفيلم. وبهذا المعنى لا يسعى العمل إلى تقديم سيرة ذاتية للمخرجة، بل يركز على العلاقة الإنسانية والفنية بين الشخصيتين الرئيسيتين. من جهة أخرى، يمنح الفيلم أهمية خاصة لفكرة الصداقة في مرحلة متأخرة من العمر. اللقاءات السنوية بين مارغو وباربرا لا تُقدَّم بوصفها مجرد اجتماعات عائلية، بل بوصفها مساحة لاستمرار الإبداع. فالفن هنا لا يظهر كمرحلة انتهت مع الشباب، بل كجزء من الحياة اليومية يستمر حتى العقد التاسع من العمر. هذه الفكرة تشكل أحد المحاور الأساسية في الفيلم، لأنها تقدم صورة مختلفة عن الشيخوخة، بعيدة عن التصورات التقليدية التي تربطها بالانكفاء أو التراجع. يصل الفيلم إلى خاتمته في مشهد بسيط من حيث البناء البصري، لكنه يحمل دلالة واضحة. تجلس المرأتان خارج البيت الريفي، بينما تعرض الصور متحركة على جدار حجري أمامهما. تتأملان تلك الصور وتعلو الضحكات بينهما، في لحظة تجمع بين استعادة الماضي والعيش في الحاضر. هنا يتحول الجدار إلى شاشة صغيرة للذاكرة، وتصبح الصور وسيلة لإعادة ترتيب الزمن الشخصي لكل منهما. بهذا المعنى لا ينتهي الفيلم عند لحظة استرجاع للماضي، بل عند تأكيد استمرار الحياة. فمارغو وباربرا لا تتعاملان مع العمر باعتباره مرحلة ختامية، بل كجزء من تجربة إنسانية ما زالت مفتوحة. ومن خلال هذا الطرح يقدّم ( حبات من الرمل) رؤية هادئة للشيخوخة، ترى فيها امتداداً للإبداع والعلاقات الإنسانية، لا نهايةً لها.
#سينما العالم# مجلة ايليت فوتو ارت.

