من ضفة الحبر.. إلى سماء الروح
لطالما وقفتُ على ضفاف سرديات الآخرين، أفكك رواياتهم، وأتتبع مسارات قصصهم، أمنحهم نبضي ليتنفس حرفهم، وكنتُ أجد سعادتي في كلمات الثناء التي يرسلونها لي ممتنين لأنني أنصفتُ عوالمهم.
لكنني اليوم، أقف في مَطرح الضوء بشكل مختلف.
حين قرأتُ ما كتبه الأستاذ والمفكر رياض درار عن قصتي “أراكم من سماء روحي”، شعرتُ بقشعريرة مدهشة؛ لقد كان حرفياً يواكب رحلة قلمي، خطوة بخطوة، ونبضة بنبضة.
لم يقرأ الكلمات، بل قرأ أنفاسي المخبوءة بين السطور، والتفتَ إلى زرقة السماء وغيمة الروح بذات الشفافية التي عشتُها وأنا أكتب.
اليوم فقط، تذوقتُ طعم تلك السعادة التي كنتُ أهبها للآخرين. شعرتُ بمعنى أن يُقرأ حرفي كما تمنيته أن يُقرأ، وأن يلتقي القلم ببصيرة نقدية تعيد ولادة النص وتمنحه أجنحة ليحلق بها عالياً.
شكراً للأستاذ #رياض_درار، الذي لم يشرح نصي، بل عاشه.. وأعاد إليّ صدى روحي بنقاء لا يُنسى بما كتبه👇:
أراكم من سماء روحي
ميساء وهبة
هذه القصة تقوم على رحلة رمزية داخل النفس أكثر مما تقوم على حدث واقعي. فالساردة ” البطلة” لا تنتقل في مكان حقيقي، بل تعبر من حالة نفسية وروحية إلى حالة أخرى، ولذلك تمتلئ القصة بالرموز والإيحاءات.
الأبعاد الرمزية في القصة
١. الليل والشرفة: في بداية النص نجد: “استيقظت في الثانية صباحاً، أتأمل النجيمات” الليل هنا ليس زمناً فقط، بل هو يرمز إلى الأزمة النفسية، الوحدة، الضياع الوجودي، اللحظة التي يواجه فيها الإنسان ذاته بعيداً عن ضجيج الحياة. أما الشرفة فتمثل منطقة وسطى بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، وكأن الساردة تقف على عتبة تحول كبير.
٢. البحر المتلاطم “هذا البحر المتلاطم” يرمز إلى اضطراب المشاعر، وإلى الصراعات الداخلية، والذكريات والأوجاع التي تغمر الإنسان. فالبطلة لا تتحدث عن بحر حقيقي، بل عن بحر نفسي يغرقها.
٣. السواد الحالك “غصت في أعماقي بل في دجنتي الحالكة” السواد يرمز لللاوعي، للخوف، للجراح القديمة، وللفراغ الروحي.
إنها لحظة مواجهة النفس لحقيقتها العارية.
٤. الآية القرآنية: “والليل إذا عسعس” الليل في الآية لا يعني الظلام فقط، بل يحمل معنى الإقبال أو الإدبار. لذلك فإن تكرارها يوحي بأن الظلمة ليست أبدية، فالآية بعدها “والصبح إذا تنفس”. وإذا بلغت مرحلةُ الألم نهايتها، فإن الفجر الروحي يقترب. إنها إشارة إلى التحول القادم.
٥. الضوء الأخضر “انبعث ضوء أخضر بهر المكان” اللون الأخضر رمز مهم ويدل على الحياة، وعلى الشفاء، والتجدد، والأمل، والولادة الروحية. ولهذا يظهر بعد لحظة الظلام القصوى مباشرة.
٦. الطفلة المولودة “لمحت طفلة تولد في تلك اللحظة” هذه الطفلة ليست شخصية أخرى، بل ترمز إلى الذات الجديدة.، والبراءة المستعادة، وبداية حياة مختلفة. إنها صورة رمزية لـ “ولادة النفس من جديد”.
٧. الحلاج ورقصة السماح: الحلاج رمز صوفي معروف ارتبط بفكرة الفناء عن الذات القديمة، والاتحاد بالحقيقة الروحية، والتحرر من قيود الأنا. أما السماح فهو رمز للانخطاف الروحي والارتقاء. ولهذا يتكرر ذكرهما لأن البطلة تمر بتجربة تشبه التجربة الصوفية دون أن تدرك ذلك في البداية. الجمع بين الحلاج والسماح اشارة الى التطهر الروحي، والتحرر من الألم، والانتقال من الظلمة إلى النور، وهو ينسجم مع أجواء النص، ثم مع التسامح مع الذات، والصفح عن الماضي، والتخلي عن الذكريات العفنة. وهذا التأويل يصبح قويا جدا إذا ربطناه بإغلاق “حجرة الذكريات العفتة” وولادة الذات الجديدة في نهاية القصة. يمكن القول نقديا إن العبارة تفتح التأويل أكثر ماتحدده، وهو مايمنحها قوة رمزية، لكنه قد يجعلها غامضة أو غير ممهد لها بما يكفي داخل القصة.
٨. حجرة الذكريات العفنة “أغلقت بإحكام” هذه من الرموز القوية في النص. فالذكريات العفنة ترمز إلى: الألم القديم، الجروح النفسية، التجارب السلبية، الأحمال التي تعيق الإنسان. وإغلاق الحجرة يعني التصالح مع الماضي، والتحرر من آثاره، والتوقف عن العيش داخله.
يمكن تفسير القصة على أنها رحلة تطهير نفسي وروحي. عبر مراحل هي: الانهيار واليأس، ثم النزول إلى أعماق الذات، ومواجهة الظلام الداخلي، ثم اكتشاف النور الكامن في النفس، والتخلص من عبء الماضي، وولادة ذات جديدة أكثر صفاءً. إنها تشبه رحلة العنقاء التي تحترق ثم تنهض من رمادها.
هذه القصة توحي بعدة أفكار: أن الإنسان يحمل في داخله القدرة على الشفاء. وأن أشد لحظات الظلام قد تكون بداية النور، وأن الموت الحقيقي ليس موت الجسد بل موت الأمل، وأن مواجهة الذات شرط أساسي للتجدد، وأن الخلاص يبدأ من الداخل لا من الخارج.
قيمة العنوان: “أراكم من سماء روحي” له دلالة عميقة. فلفظة “أراكم” تفيد رؤية مختلفة عن الرؤية العادية؛ فهي ليست رؤية بالعين بل بالبصيرة. و”سماء روحي” ترمز إلى الصفاء، والسمو، والارتقاء الداخلي، والبعد الروحي. فالعنوان يوحي بأن الساردة” البطلة” بعد رحلتها أصبحت تنظر إلى العالم والناس من مستوى روحي أرقى. إنها لم تعد ترى الأشياء من أرض الألم، بل من “سماء الروح”.
رمزية النهاية “أنا لست في الفضاء، ولا حتى في جوفي، بل في حضرة ذاتي التي وُلدت من جديد.” هذه النهاية تمثل لحظة التنوير أو الميلاد الثاني. فهي تعلن: انتهاء مرحلة الانكسار، والمصالحة مع الذات، والتحرر من الماضي، واكتشاف الهوية الحقيقية. لذلك جاءت النهاية مفتوحة على الأمل لا على الموت، رغم أن القصة بدأت بالتسليم للهزيمة.
القصة في سرديتها ذات نزعة رمزية وصوفية نفسية، تصور رحلة من العتمة إلى النور، ومن الانكسار إلى الولادة الجديدة. وقد شكّل العنوان إطاراً دلالياً لهذا التحول، بينما جاءت النهاية لتؤكد أن الخلاص لم يكن في الهروب من الحياة أو الموت، بل في الوصول إلى الذات الحقيقية وإعادة اكتشافها.
………
القصة
أراكم من سماء روحي
ميساء وهبه
استيقظتُ في الثانية صباحاً؛ جلستُ على الشرفة هرباً من وطأة الإرهاق والألم، أتأمل النُّجيمات السابحة في الأفق. أسندتُ رأسي واستسلمتُ لعدِّ ضربات عمري التنازلي.. ها أنا الآن أنهزم، أرفعُ الراية البيضاء أمام معاركي كلها، وأحاول جاهدةً رمي ذكرياتي خلف شلال مشاعري المتلاطم.
في تلك اللحظة الوهنة، لم أعد أبالي بالموت؛ فلا طاقة تملكها روحي للاستمرار في هذا البحر المتلاطم.
أغمضتُ عينيَّ ورحتُ في غيبوبةٍ تشبه النوم أو الموت.. هما عندي سواء. هنيهةٌ، وشعرتُ أني غُصتُ في أعماقي، بل في دُجنتي الحالكة؛ ما هذا السواد الحالك؟! تبادر سؤال من “أنا” إلى “أنا”: “هل هكذا يبدو باطننا أم هو ظلامي وحدي؟”.
جاءني صوتٌ جهوريٌّ من بعيد يردد: “والليل إذا عسعس”. قاطعتُه بتوجس: “وما دخلُ العسعسة بما أنا فيه؟”.
كررها ثلاثاً ثم توارى.. سخرتُ من هلوساتي: “مع مَن أتكلم؟ وهل أنا في مدينة الأموات أم في رحلة إلى اللاشيء؟”.
لم أعد أشعر بجسدي، كأني أسبحُ في دُجايَ باحثةً عن مخرج. وفجأة، شعرتُ بوخزٍ في الصدر، وانبعث ضوءٌ أخضرُ بَهَر المكان! رحتُ أسبحُ في هذا اللون الغريب الذي يتمدد كلما تنفستُه، أهمسُ لنفسي: “أين أنا؟”.
لمحتُ طفلةً تولدُ في تلك اللحظة، سألتُ بفرح: “من هذه؟”، ليدركني اليقين أنها مخاضُ ولادتي الجديدة. تساءلتُ مجدداً: “أأنا في مدينة الموتى؟”، ليرتفع صوتٌ يقول: “الحلاج ورقصة السّماح”. ضحكتُ بسخرية: “لا أعرف الحلاج، ولا أحب رقصات السماح”، لكن الصوت أعادها بحنقٍ أكبر.
تسمرتُ مكاني، وفجأةً قذفني ذلك الصوت داخل ممرٍّ طويل وهو يكرر عبارته. تسارعتُ داخل الممر حتى انقطعت أنفاسي، وتحول خوفي إلى دهشةٍ وأنا أرى بتلاتٍ بيضاء تتفتح، ورائحة الماضي تتلاشى تدريجياً خلف بوابة “حجرة الذكريات العفنة” التي أُغلقت بإحكام.
عَبَرَ شعاعٌ دقيقٌ من تعاريج الفضاء، فاستنشقتُه مع نفخةِ روحٍ جديدة. حثثتُ خطاي فوق مساحات واسعة من الطمأنينة والثبات، ثم فتحتُ عينيَّ أتلمس الوجود.. أنا لستُ في الفضاء، ولا حتى في جوفي، بل في حضرةِ ذاتي التي وُلدت من جديد


