هذا فيلم ملك إيثان هوك من أوله لآخره وتباً للمخرج😎إن أردنا أن نبحث عن سر افتتاننا بالسينما، لربما كان من بين مئات الأسباب قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها من جديد مهما تقولبت، مهما حاولت الصناعة إلباسها هيئة مسبقة التصميم، سرعان ما تخلع كل ما تعرفه وتتمرد؛ تأتي بعريها، بتجريبيتها، ببدايتها الأولى، وتحضر كمشروع نابض حيّ لا يحتكم إلى تقليد، ولا يخضع لعرف، ولا يستسلم لوصفة نجاح مضمونة. المبهر فيها أنها، في لحظات نادرة، تثور حتى على ما أسسته بيديها، على ما بنته عبر سنوات من الانضباط والتقاليد. تحمل في خيالها مطرقة الهدم لبناء صلد، لكن رغم كل هذه الصلابة والصمود، يكفي أن يأتي محب حقيقي للسينما ويخوض معها ومن أجلها مغامرة تليق بخيال لا ينضب حتى يهتز معه، مع مخيلته، كل ما بدا ثابتًا. حتى في معاقل هوليوود التي لا يريحها ما هو غير تقليدي، ظل على الدوام متسع لرحابة الصدر، ولو بالإكراه. هذا ما يفعله فيلم “Blue Moon” منذ دقائقه الخمس الأولى.”Blue Moon”.. عن قمر معلّق في حانةنحن في شارع معتم نعرف أنه في مانهاتن، روح نيويورك المقطرة فنًا وثقافة. تخرج الكاميرا مرة واحدة إلى الطريق لتعلن نبرة الفيلم منذ المشهد الأول: رجل قصير القامة يسير في ممر مظلم ليلًا، يتمتم بكلام مقفى، الحزن يثقله، والسكر يدفعه إلى السقوط في بركة ماء خلّفها المطر الغزير. لقطة خارجية وحيدة، ننتقل بعدها إلى المسرح، ثم يُغلق الفيلم بابه خلفنا، ويرمينا في فضاء واحد وأخير: حانة “سارديز”، ذلك المكان التاريخي الذي افتتح عام 1927 وصار ملتقى نجوم برودواي ومرآة احتفالاتهم وقلقهم المهني معًا. ومنذ تلك اللحظة، تبقى الكاميرا حبيسة هذا المكان حتى نهاية الفيلم، طوال ساعتين كاملتين.” Blue Moo”.. حكاية مبدع تقتله المرارةالحكاية في عناصرها الأولية بسيطة وواضحة: في مساء 31 آذار/مارس 1943، يواجه كاتب الأغاني الأسطوري لورينز هارت في “سارديز” حطام ثقته بنفسه، بينما يحتفل شريكه السابق ريتشارد رودجرز.في الجوار بليلة افتتاح عرضه الموسيقي الثوري “أوكلاهوما!” (Oklahoma!)، كان هذان الاسمان يشكلان معًا ثنائي (Rodgers & Hart) الذي ترك بصمة عميقة في تاريخ المسرح الموسيقي الأميركي؛ كتب هارت كلمات عشرات الأغاني الخالدة مثل (My Funny Valentine) و(The Lady Is a Tramp) و(Blue Moon)، فيما لحّن رودجرز عددًا كبيرًا من الأعمال التي أسست لبرودواي الحديثة. غير أن عرض “أوكلاهوما!” عام 1943 شكّل نقطة تحول تاريخية وبداية العصر الذهبي للمسرح الموسيقي، معلنًا مرحلة جديدة في مسيرة رودجرز بعد انفصالهما؛ فها نحن كمشاهدين نتلمس في نجاح العرض ولادة فصل جديد في تاريخ المسرح الموسيقي الأميركي، بينما يجلس بطلنا هارت في الداخل يراقب أفول مرحلته.ريتشارد لينكليتر: السينما والزمن الحقيقيتكمن مغامرة “Blue Moon” في أنه يواصل خطًا واضحًا في سينما ريتشارد لينكليتر؛ سينما تراهن على الزمن الحقيقي وعلى الحوار بوصفه فعلًا دراميًا كاملًا لا مجرد وسيلة لشرح الأحداث. منذ فيلم ” قبل الشروق”(Before Sunrise) وصولًا إلى “شريط”(Tape) و “قبل منتصف الليل” (Before Midnight)، بتوقيع ممثله المفضل إيثان هوك، ظل لينكليتر مهتمًا بما يحدث عندما يُترك الأشخاص يتكلمون طويلًا بما يكفي كي تتكشف أعماق شخصياتهم. في “Blue Moon” يصل هذا الخيار إلى أقصى درجاته تقشفًا: مكان واحد تقريبًا، زمن محدود، وشخصية تعيش لحظة أفولها.الزمن الذي نعيشه هنا، كمشاهدين، يكاد يطابق الزمن الذي تعيشه الشخصية على الشاشة؛ فلا قفزات عمرية كبيرة ولا اختصارات درامية حادة، بل امتداد متواصل للحظة واحدة تتكثف تدريجيًا. هذه هي وحدة الزمان في معناها الفني: إطار زمني ضيق ومتواصل يصبح فيه مرور الوقت نفسه عنصرًا دراميًا، مقترنًا بوحدة المكان: حانة تشكل العالم المكاني للفيلم بكامله. هكذا يستعيد “Blue Moon” مبدأين كلاسيكيين من الدراما المسرحية، ويوسع قدراتهما داخل لغة سينمائية معاصرة.وتتعمق هذه المغامرة على مستوى الأداء أيضًا، إذ يخوض إيثان هوك تحولًا جسديًا مدروسًا عبر مكياج سينمائي خاص أعاد تشكيل ملامحه لتقارب هيئة لورينز هارت، مع تعديل خط الشعر وبناء إحساس بالتعب والانطفاء في الوجه، إلى جانب لغة جسد منكمشة ومشية قصيرة متوترة تعزز الإحساس بقصر القامة والهشاشة.إيثان هوك: مغامرة جسدية”أحبك، لكن ليس هكذا”. مع أحداث الفيلم الذي ينافس في جوائز الأوسكار لهذا العام، نغرق في حوارات لا تخلص، سرد وتسرد، لكننا مع كل هذا نصل إلى هذه الجملة المفتاحية لقراءة أداء إيثان هوك؛ خلاصة حياة عاطفية كاملة تُختصر في صيغة رفض مهذب. من هذه العبارة ينطلق الأداء كله: رجل يعرف قيمة موهبته جيدًا، لكنه يدرك في الوقت نفسه حدود حضوره الجسدي المتقلص الذي تنقصه الجاذبية، حيث لا يتبقّى له سوى أن يعيش التناقض بين الاثنين كروح تنز ألمًا.يبني هوك الشخصية على هذا التوتر تحديدًا. لا يؤدي دور رجل قبيح، بقدر ما يؤدي أيضًا دور رجل يشعر بأنه أقل جاذبية مما ينبغي لموهبته. لذلك يقوم الأداء على التعويض الذي مارسته الشخصية في واقعها: سرعة في الكلام، ذكاء حاضر في كل جملة، نكات متتالية، واستعراض ثقافي خفيف، كأن الشخصية تحاول أن تسبق لحظة الصمت التي قد تكشف هشاشتها. اللغة هنا ليست أداة تعبير فقط، بل وسيلة دفاع، وربما وسيلة إغواء أيضًا. تحضر هنا، وبإلحاح، فكرة “رجل قصير القامة، شديد الموهبة، مرفوض من الجميلات”. تظهر أولًا في إدارة الجسد قبل الكلام: انحناءة خفيفة، حركة زائدة في اليدين، وطاقة عصبية لا تهدأ. الجسد لا يحتل المكان بثقة، بل يحاول تعويض ذلك بالحضور الصوتي.بهذا المعنى، لا يدور الأداء حول عدم الوسامة بقدر ما يدور حول الوعي بها، لذلك تبدو السخرية في أدائه مزدوجة: يضحك قبل أن يُضحك عليه، ويسبق الآخرين إلى النكتة عن نفسه كي لا يسبقوه إليها. ومن هنا تأتي مرارة الشخصية: رجل يعرف أنه لامع بما يكفي ليُعجب به الجميع، لكن ليس بما يكفي ليُحب. في النهاية يتركنا هذا القمر الأزرق أمام حقيقة موجعة وبسيطة: قد تغيّر الفنون أسماء نجومها في ليلة واحدة، لكن قلوب صناعها لا تنجو دائمًا من ثمن هذا التغيير.#عبير داغر اسبر # مجلة ايليت فوتو ارت ..


