كتبت الفنانة: أميرة ناجي..ما بعد الحركة..فائق حسن .وبناء الإيقاع في اللوحة العراقية.

ما بعد الحركة
فائق حسن وبناء الإيقاع في اللوحة العراقية

بقلم الفنانة أميرة ناجي

الرسم ليس مجرد محاولة لتسجيل العالم بل رحلة للإمساك بالحياة وهي في حالة عبور. ( أوجين ديلاكروا)

تفتح هذه المقولة نافذة لقراءة تجربة الفنان العراقي فائق حسن لأنها تضع الحركة في قلب الفعل التشكيلي كجوهر الرؤية الفنية نفسها لم ينظر إلى اللوحة كسطح ساكن يُرصّ عليه اللون بل تعامل معها كمجال حي تتقاطع فيه الحركة مع الإيقاع واللون مع الذاكرة والواقع مع الحس الجمالي ومن هنا يمكن القول إن منجزه لم يكتفِ بتمثيل الحياة العراقية بل أعاد صياغتها بصريًا كطاقة متدفقة داخل اللوحة

يُعد فائق حسن أحد الأعمدة المؤسسة للفن التشكيلي العراقي الحديث واسمًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن المدرسة العراقية المعاصرة فقد جمع بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية الصارمة والرؤية التربوية العميقة ليؤسس مشروعًا فنيًا وتعليميًا متكاملًا جعله مدرسة فنية قائمة بذاتها هذه المدرسة لم تُختزل في أسلوب أو تقنية محددة بل تمثّلت في منهج رؤية متكامل أثّر في أجيال متعاقبة من الفنانين وأصبح منجزه جزءًا من مادة الدرس والتحليل في سياقات أكاديمية داخل العراق وخارجه
تشكلت تجربته في مرحلة تاريخية كان فيها الفن العراقي يبحث عن لغته الحديثة وعن موقعه بين التراث والحداثة تلقى دراسة أكاديمية وفق مناهج فنية رصينة منحته معرفة تقنية عميقة بأسس الرسم ولا سيما البناء التشريحي والمنظور والعلاقة بين الضوء واللون غير أن هذه المعرفة لم تتحول إلى قيد جامد بل كانت قاعدة انطلق منها نحو حرية التعبير آمن بأن الأكاديمية ليست نقيض الإبداع بل شرط من شروطه الأولى وأن الفنان لا يستطيع تجاوز القواعد ما لم يمتلكها ويفهمها بعمق لهذا جاءت أعماله متوازنة بين الانضباط التقني والانفعال الحسي وهو توازن نادر مكّنه من تطوير أسلوبه الخاص دون أن ينفصل عن جذوره التعليمية
لم يتعامل مع الموروث الحضاري كأرشيف بصري ساكن أو مادة فولكلورية جاهزة بل ككيان حي نابض بالحركة الريف الفلاحون الأسواق الشعبية الخيول ومشاهد الحياة اليومية حضرت في أعماله ضمن رؤية ديناميكية تجعل من الحركة عنصرًا بنيويًا فالتراث عنده ليس ماضياً منتهياً بل حاضراً متجدداً يتحرك في الذاكرة والواقع معاً ولهذا تبدو أعماله وكأنها تلتقط نبض الحياة في لحظة توترها القصوى حيث يتجاور الواقعي مع الإحساسي في صياغة بصرية واحدة
يشكّل حضور الخيل في أعماله علامة دالة على هذه الرؤية فهي كائن حركي يجسّد العلاقة التاريخية بين الإنسان والأرض والحرية من خلال هذه الثيمة منح الفنان الحركة بعدها التعبيري وجعل الجسد في اللوحة مساحة للتوتر والإيقاع وهكذا تحولت الحركة إلى لغة بصرية قائمة بذاتها تتجاوز حدود الموضوع لتصبح جزءًا من بنية العمل الفنية
ينتمي أسلوبه إلى الواقعية التعبيرية لكنه واقعية لا تكتفي بنقل المشهد أو وصفه بل تعيد صياغته وفق إحساس الفنان وإيقاعه الداخلي الشخوص في لوحاته ليست جامدة أو محايدة بل مشحونة بالحركة والانفعال والخطوط لا تعمل كحدود صلبة بل مسارات ديناميكية تقود العين داخل فضاء اللوحة أما اللون فيؤدي دورًا مركزياً في بناء الإحساس بالحياة حيث تتداخل الدرجات اللونية لتخلق توترًا بصريًا يوازي توتر الحركة نفسها
تتسم لوحاته بقدرة لافتة على الإمساك باللحظة العابرة وكأن الفنان يوقف الزمن عند ذروته الإيقاعية ما يمنح أعماله حيوية خاصة تجعل المتلقي شريكًا في التجربة فاللوحة عنده لا تُرى من الخارج فقط بل تُعاش من الداخل كحالة شعورية كاملة
لا تقل أهمية دوره التربوي عن منجزه الفني فقد كان معلمًا مؤثرًا أسهم في تأسيس أجيال من الفنانين وغرس فيهم قيم الالتزام الفني والبحث الجمالي والاحترام العميق للمهنة أسس مفهوم المرسم كفضاء للتجربة والحوار لا مجرد قاعة للتلقين ومن خلال دوره التعليمي تحوّل إلى مرجعية فنية أسهمت في بلورة الذائقة التشكيلية العراقية الحديثة بحيث امتد تأثيره من اللوحة إلى بنية المشهد الفني ذاته
يتجلّى تأثيره في التشكيل العراقي من خلال الأثر العميق الذي تركه في أجيال متلاحقة سواء على مستوى الأسلوب أو الرؤية الفنية أسهم في ترسيخ فكرة أن الفن ليس مهارة تقنية فحسب بل موقف من العالم وأن الفنان مسؤول عن بناء وعي بصري جديد أما على المستوى العالمي فتنبع أهمية تجربته من قدرته على تحويل المحلي إلى إنساني شامل لم يسعَ إلى العالمية عبر تقليد النماذج الغربية بل عبر تعميق تجربته الخاصة والانطلاق من بيئته وثقافته ولهذا أصبحت أعماله مفهومة ومؤثرة لدى متلقين من ثقافات مختلفة لأن الحركة واللون والإنسان عناصر كونية تتجاوز الحدود الجغرافية
إن تدريس تجربته في سياقات أكاديمية خارج العراق يؤكد أن فنه تجاوز الإطار المحلي وأصبح جزءًا من الخطاب التشكيلي العالمي كنموذج لالتقاء الأكاديمية بالروح الشعبية والحرفة بالإحساس والتراث بالحس المعاصر
يمثل فائق حسن أحد الأعمدة الراسخة في تاريخ الفن العراقي الحديث لأنه لم يكتف بأن يكون رسامًا بارعًا بل كان مؤسسًا لرؤية ومربيًا لأجيال وصانعًا لمدرسة فنية ما تزال حاضرة في الذاكرة والممارسة لقد علّم اللون كيف يتحول إلى إيقاع وعلّم اللوحة كيف تتنفس وعلّم الفن العراقي كيف يقف بثقة على أرضه وهو يفتح نوافذه على العالم تؤكد تجربته أن الفن الحقيقي يولد حين تتصالح المعرفة مع الإحساس وحين يتحول الموروث من ماضٍ ساكن إلى طاقة حيّة متجددة ولهذا بقي اسمه علامة مضيئة في مسار التشكيل العراقي لا في التاريخ بل حاضرًا مستمرًا في كل تجربة تبحث عن الصدق والحياة
أميرة ناجي

أخر المقالات

منكم وإليكم