المتعة التي تبدأ حيث تنتهي اللذةإعداد: د. جينا جلال
ربما لا يبدأ سؤال الـ Jouissance عند لاكان من سؤال اللذة أصلًا، بل من المأزق الذي تركه فرويد مفتوحًا: إذا كان الجهاز النفسي محكومًا بمبدأ اللذة، أي بالسعي إلى خفض التوتر وتجنب الألم، فلماذا يكرر الإنسان تحديدًا ما يؤلمه؟ لماذا يعود إلى الجرح، ويعيد العلاقة التي هزمته، ويتمسك بعرض يشكو منه، ويعرف أحيانًا معرفة كاملة أن ما يفعله يدمره ثم لا يستطيع إلا أن يفعله مرة أخرى؟ في ما وراء مبدأ اللذة وجد فرويد نفسه أمام تكرار لا يمكن تفسيره بمنطق المنفعة النفسية، ومن هنا جاء دافع الموت. لاكان سيعيد التقاط هذه المنطقة، لكن السؤال عنده لن يبقى: لماذا يكرر الإنسان الألم؟ بل سيصبح أكثر إزعاجًا: ما الذي يحصل عليه من تكراره؟ هنا تظهر الـ Jouissance؛ ليست plaisir، لأن اللذة تتوقف عندما يصبح التوتر أكثر مما يحتمل الجهاز النفسي، بينما المتعة تبدأ تقريبًا عند هذا الحد نفسه. اللذة تقول: كفى. والمتعة تقول: مرة أخرى. لذلك ليست الـ Jouissance نقيض الألم؛ قد يكون الألم أحد أشكالها، لأنها ليست ما يشعر به الإنسان على أنه جميل، بل ما يصر عليه الجسد والدال حتى عندما تعلن الأنا أنها تريد التخلص منه.لكن لاكان لا يجعل المتعة مادة غامضة مختبئة داخل النفس، بل يربطها باللغة نفسها. فالإنسان، منذ أن يدخل عالم الدال، لا يعود يمتلك جسدًا طبيعيًا يمكنه الوصول إلى إشباعه مباشرة. الحاجة حين تمر عبر اللغة تصبح طلبًا، والطلب لا يطلب الشيء وحده بل يطلب من الآخر أيضًا علامة حب واعتراف، وبين الحاجة وما يمكن للآخر أن يمنحه يبقى شيء لا يُسد: الرغبة. لذلك لا تأتي الخسارة فقط من أبٍ يمنع أو قانون خارجي يحظر؛ ثمة خصاء أكثر جذرية يحدث لأننا نتكلم. الدال نفسه يقطع الجسد ويضع حدًا للمتعة. لكي تصبح الذات ذاتًا ناطقة لا بد أن تخسر وهم متعة كاملة لا يفصلها شيء عن جسدها، ولهذا لا تكون الـ Jouissance المفقودة شيئًا كان موجودًا تاريخيًا ثم سُرق منا بالضرورة؛ إنها تُبنى بأثر رجعي بوصفها ما كان يمكن أن يكون كاملًا لولا هذا النقص. ومن هنا إحدى المفارقات المركزية: الإنسان يطارد متعة كاملة لم يمتلكها قط، ويعيش فقدانها كما لو أنه فقد شيئًا كان له.غير أن ما يُفقد بالدال لا يختفي. يبقى منه شيء لا يُستوعب كله في المعنى، وهنا يكتسب الموضوع a أهميته. فالـ objet a ليس الموضوع الذي أريده، بل ما يجعلني أريد؛ ليس الشيء الذي سيملأ النقص، بل البقية التي تجعل النقص يعمل. لذلك ينتقل الإنسان من موضوع إلى آخر معتقدًا في كل مرة أن هذا هو الشيء: هذا الحب، هذا الاعتراف، هذا الجسد، هذا النجاح، هذه المعرفة؛ ثم يحصل عليه ويكتشف أن «الشيء» لم يكن هناك. لأن الرغبة لا تتحرك نحو موضوع قادر على إغلاقها، بل حول سبب يفلت منها كلما حاولت القبض عليه. لهذا لا يكون الموضوع a وعدًا بالإشباع، بل محركًا لاستحالته، وتتشكل حوله بنية الفانتازم $◇a: الطريقة التي تصنع بها الذات مشهدًا يجيب، دون أن تدري، عن سؤال موقعها من رغبة الآخر ومتعتها.وهنا يجب التمييز بين الرغبة والمتعة. الرغبة تحيا من النقص؛ أما المتعة فتلتصق بالطريقة التي تدور بها الذات حول هذا النقص. قد تقول الذات: «أريد أن أصل»، بينما يكون نمط متعتها قائمًا تحديدًا على ألا تصل. وقد تقول: «أريد أن أتخلص من هذا العرض»، بينما يكون العرض قد أصبح أحد أكثر الطرق خصوصية التي ينتظم بها جسدها حول المتعة. لذلك ليست المقاومة مجرد خوف من التغيير، ولا العرض خطأ معرفيًا نصححه بالتفسير؛ إن للعرض اقتصادًا من المتعة. ولهذا يمكن للإنسان أن يعرف تفسيره، ويوافق عليه، بل ويشرحه ببراعة، ثم يواصل تكراره. المعرفة لا تهزم المتعة بالضرورة.ومن هنا تصبح الهيستيريا أكثر دقة من العبارة السطحية القائلة إن الهيستيري «يحب أن يعاني». الهيستيري لا يبحث ببساطة عن الألم، بل ينظم رغبته بحيث يبقى شيء غير مشبع. إنه يستدعي رغبة الآخر ثم يمنعها من أن تغلق السؤال: ماذا يريد الآخر مني؟ يريد أن يكون موضوعًا لرغبة الآخر، لكنه لا يريد أن يتحول إلى موضوع يشبع الآخر وينهي رغبته. لذلك يحافظ على النقص في الآخر كما يحافظ على نقصه هو. وما يبدو حرمانًا يمكن أن يحمل متعة دقيقة: أن يبقى الآخر راغبًا، وأن تبقى الإجابة مؤجلة، وأن يظل السؤال مفتوحًا. ليست المتعة هنا في شخص الأم أو الأب أو الحبيب بذاته، بل في موضع الذات داخل الفانتازم وفي الطريقة التي يعاد بها إنتاج النقص عبر علاقات مختلفة. الأشخاص يتغيرون، أما المشهد فقد يبقى نفسه.أما الوسواسي فيحاول أن يحل المأزق بطريقة معاكسة تقريبًا: إذا كانت المتعة خطرة، فسوف يضعها تحت الإدارة. يؤجل، يحسب، يشك، يراجع، يفكر بدل أن يفعل، ويؤسس مسافة بين الرغبة وتحقيقها. لكنه يكتشف، أو بالأحرى لا يكتشف، أن هذه الإدارة نفسها أصبحت مصدر متعته. لا يعود التأجيل وسيلة لمنع المتعة؛ يصبح هو المتعة. ولا يعود التفكير طريقًا إلى القرار؛ يصبح بديلًا عنه. حتى الذنب يمكن أن يدخل في الاقتصاد نفسه، لأن الأنا العليا عند لاكان لا تقول فقط «لا تتمتع»، بل تحمل أمرًا أشد قسوة: تمتّع! وكلما حاولت الذات أن تطيع هذا الأمر اكتشفت عجزها، فزاد الذنب، وعاد الأمر، وتشكلت دائرة لا تنتهي بين المنع والإفراط. ولهذا لا يقف القانون ببساطة ضد المتعة؛ قد يكون المنع نفسه هو ما ينتج فائضها.وهنا يصل لاكان إلى مفهوم plus-de-jouir، فائض المتعة، مستعيرًا منطقه من فائض القيمة عند ماركس. فكما ينتج النظام الاقتصادي فائضًا يتجاوز التبادل المباشر، ينتج دخول الذات في نظام الدال خسارة في المتعة، لكن هذه الخسارة نفسها تولّد فائضًا يدفع الذات إلى التكرار. إنها تفقد المتعة الكاملة، ثم تحاول استعادتها في أجزاء صغيرة: في العرض، والنظرة، والصوت، والجسد، والتكرار، والطقس، والشكوى، والانتصار، والفشل نفسه أحيانًا. وهنا يلتقي الموضوع a بفائض المتعة: شيء ضئيل يعد باستعادة ما فُقد، لكنه بدل أن يغلق الدائرة يعيد تشغيلها. فالذات لا تحصل في التكرار على «الشيء»؛ تحصل على فائض صغير يجعلها تكرر المحاولة.ومن هنا نفهم المتعة القضيبية jouissance phallique: ليست متعة الرجل ولا متعة العضو، بل المتعة الواقعة تحت قانون الدال والخصاء، أي المتعة المحدودة التي لا تستطيع أن تكون «كلها». الفالوس هنا دال للنقص وليس عضوًا تشريحيًا، ولذلك فالمتعة القضيبية متعة مقطعة، مرتبطة بالعدّ والحد واللغة، ولا تمنح التطابق الكامل بين الذات والجسد أو بين الرغبة وموضوعها. لكن لاكان في Encore يدفع السؤال إلى أبعد من ذلك حين يتحدث عن متعة أخرى، Autre jouissance، لا تقع كلها تحت الوظيفة القضيبية. ومن هنا صيغة pas-tout: ليس معنى «ليس الكل» أن جزءًا من المرأة خارج القانون وجزءًا داخله، بل أن الجانب الأنثوي لا يمكن إغلاقه داخل كليّة منطقية تحكمها الوظيفة القضيبية. لذلك يمكن أن توجد متعة لا تعرف الذات كيف تقولها كاملة؛ تُختبر، لكن المعرفة لا تحتويها. ولهذا استدعى لاكان المتصوفة: ليس لأن المتعة الأنثوية تجربة دينية، بل لأن الخطاب الصوفي يكشف مأزقًا مشابهًا؛ شخص يشهد بأن شيئًا حدث في الجسد، ثم يعجز عن إنتاج دال يساويه. هناك متعة، لكن لا توجد معرفة قادرة على قولها كلها.وهذا يفسر لماذا يصبح التحليل، في النهاية، أكثر من عملية استخراج معانٍ مكبوتة. إذا كان العرض يحمل متعة، فإن تفسير معناه لا يضمن سقوطه. بل إن المعنى نفسه قد يصبح أحيانًا طريقة جديدة للاستمرار في المتعة؛ يستطيع المحلَّل أن ينتج تفسيرًا بعد تفسير، ويحول التحليل إلى آلة لا نهائية لصناعة المعنى، بينما يبقى موضعه في الفانتازم على حاله. لذلك يصبح السؤال في لاكان المتأخر أقل تعلقًا بـ«ماذا يعني عرضك؟» وأكثر تعلقًا بـ كيف تتمتع من خلاله؟ وما الذي يكتبه هذا العرض على جسدك ويتكرر رغم كل ما تعرفه عنه؟هنا يمكن فهم اجتياز الفانتازم بعيدًا عن الفكرة الساذجة بأنه تحطيم للفانتازم أو شفاء نهائي من الوهم. ما يُجتاز هو يقين الذات بأن السيناريو الذي نظم علاقتها بالآخر هو الحقيقة الوحيدة الممكنة: أنني لا أكون مرغوبًا إلا إذا حُرمت، أو لا أكون آمنًا إلا إذا سيطرت، أو لا أحب إلا من موقع الخسارة، أو لا أرغب إلا فيما يمتنع عليّ. عندما ينكشف الفانتازم بوصفه بناءً ينظم المتعة، لا حقيقةً مطلقة عن الآخر، تفقد الذات شيئًا من اضطرارها إلى إعادة المشهد نفسه. وفي تعليم لاكان الأخير لن يصبح الأفق إزالة المتعة أصلًا، بل الوصول إلى طريقة أقل اغترابًا في التعامل مع نمطها الخاص منها، أي معرفة شيء عن كيفية فعل المرء مع عرضه بدل انتظار اليوم الذي يختفي فيه النقص.لهذا فالـ Jouissance ليست ببساطة «لذة مؤلمة»، فهذا التعريف صحيح لكنه فقير. إنها أثر دخول الجسد في اللغة، وما يُفقد بهذا الدخول وما يعود منه كفائض، وهي ما يربط الدال بالجسد، والعرض بالتكرار، والفانتازم بالموضوع a، والرغبة باستحالة الإشباع الكامل. إنها تكشف أن الإنسان لا يريد دائمًا ما يقول إنه يريده، وأن وراء مطلب التخلص من المعاناة قد توجد طريقة لاواعية شديدة الخصوصية للتمسك بشيء منها. لذلك لا يكفي السؤال: لماذا أكرر ما يؤلمني؟ السؤال الأكثر لاكانية هو: ما الذي لا يكف عن أن يُستعاد في هذا التكرار؟ أي فائض من المتعة يجعلني أعود إلى الشيء نفسه، لا رغم أنه يؤلمني، بل لأن شيئًا من متعتي قد انعقد في الطريقة نفسها التي يؤلمني بها
#د.جينا جلال #مجلة ايليت فوتو ارت.
