عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية – زكريا محمد
يُعد كتاب «عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية» للكاتب والباحث الفلسطيني زكريا محمد من أكثر الكتب إثارة للجدل في مجال دراسة الميثولوجيا والأديان المقارنة. فهو لا يكتفي بإعادة قراءة المعتقدات القديمة في الجزيرة العربية، بل يذهب إلى طرح فرضية جريئة مفادها أن مكة الجاهلية لم تكن معزولة دينياً عن محيطها الحضاري، وإنما كانت جزءاً من فضاء ميثولوجي وديني واسع يمتد من مصر القديمة إلى بلاد الشام والعراق واليمن.
ينطلق المؤلف من منهج مقارن، معتمداً على الأساطير والنقوش والأسماء والرموز الدينية القديمة، ليحاول الكشف عن شبكة من العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الديانة المصرية القديمة، ممثلة في أسطورة إيزيس وأوزيريس، وبين بعض المعتقدات والرموز التي عرفتها الجزيرة العربية قبل الإسلام. ويصور هذا الامتداد الحضاري كما لو كان «سكة حديد ميثولوجية» تربط أقاليم الشرق القديم بعضها ببعض، وتجعل منها فضاءً دينياً وثقافياً متداخلاً.
ويحاول زكريا محمد أن يبرهن على أن الآلهة والأساطير لا تنشأ داخل حدود جغرافية مغلقة، بل تنتقل وتتطور وتعيد إنتاج نفسها في بيئات مختلفة. فالتجارة والهجرات والحروب والاحتكاك الحضاري كانت جميعها وسائل لنقل الرموز والأساطير والمعتقدات من حضارة إلى أخرى. ومن هذا المنظور، تصبح مكة الجاهلية جزءاً من تاريخ ديني أوسع، لا مجرد فضاء مستقل ومنفصل عن محيطه الثقافي.
غير أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في نتائجه أو فرضياته، بل في الأسئلة التي يثيرها حول طبيعة الأديان وتاريخها. فهو يدفع القارئ إلى التفكير في الكيفية التي تتشكل بها الرموز الدينية، وفي مدى تداخل الأسطورة والتاريخ، وفي قدرة المعتقدات على السفر عبر الزمن والجغرافيا، متخذةً أشكالاً جديدة دون أن تفقد جذورها العميقة.
كما يفتح الكتاب باباً واسعاً أمام دراسة الميثولوجيا العربية القديمة، وهي منطقة ظلت لزمن طويل مهمشة في الدراسات العربية مقارنةً بما حظيت به الأساطير المصرية أو اليونانية أو الرافدية من اهتمام. ومن هنا تبرز قيمة هذا العمل بوصفه محاولة لإعادة اكتشاف البعد الأسطوري في تاريخ المنطقة، وإدخاله في دائرة البحث والنقاش العلمي.
ومع ذلك، فإن الأطروحات التي يقدمها زكريا محمد تبقى محل نقاش واسع بين الباحثين والمؤرخين، إذ إن كثيراً من استنتاجاته تعتمد على المقارنات الرمزية والتأويلات الميثولوجية أكثر مما تعتمد على الأدلة التاريخية القاطعة. ولذلك ينبغي قراءة الكتاب باعتباره اجتهاداً فكرياً جريئاً يطرح فرضيات للنقاش والبحث، لا باعتباره حقائق تاريخية نهائية أو نتائج محسومة.
إن «عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية» هو كتاب يغامر بالدخول إلى المناطق المنسية من الذاكرة الدينية للشرق القديم، ويقترح رؤية مختلفة للعلاقات بين الحضارات والأساطير والمعتقدات. إنه رحلة فكرية شيقة عبر عوالم الميثولوجيا، تدعو القارئ إلى النظر إلى التاريخ الديني بوصفه تاريخاً للتفاعلات والتأثيرات المتبادلة، لا تاريخاً لثقافات مغلقة ومنعزلة.
وسواء اتفق القارئ مع أطروحات الكتاب أو اختلف معها، فإنه سيخرج منه مدركاً أن تاريخ الأديان أكثر تعقيداً وتشابكاً مما يبدو لأول وهلة، وأن الأساطير، مثل الأنهار القديمة، تواصل جريانها في أعماق الثقافات حتى بعد أن تتغير الأسماء والوجوه والأزمنة.
على دروب الفلسفة# مجلة تيليت فوتو ارت.


